يعتبر طب الأسرة أو طب العائلة تخصصاً طبياً لتوفير خدمات الرعاية الصحية الشاملة للفرد ولأسرته من الجنسين وبمختلف الأعمار، وتقديم الاستشارة المبدئية لهم لجميع الأمراض مع التركيز على الوقاية والتثقيف الصحي. وفي بعض الدول المتقدمة يكون لكل فرد طبيبه الخاص الذي يتابع أحواله الصحية من خلال ملف طبي يحتوي على تاريخه العلاجي شاملاً إصاباته وأدويته ونتائج فحوصاته، وهو من يُستدعى أولاً لفحصه ومعاينته وإعطائه العلاج اللازم قبل أن يُحال إلى الأطباء المتخصصين إن اقتضى الأمر.

أصبح هذا التخصص معياراً للجودة الصحية في العالم منذ عقود، واعترفت به منظمات مثل منظمة الصحة العالمية، بل صار له منظمة خاصة تحت اسم «المنظمة العالمية لأطباء الأسرة» (WONCA).

أما تاريخه في المنطقة العربية فيعود إلى حقبة الثمانينيات من القرن العشرين حينما بدأت الجامعات وكليات الطب بتطوير برامج تدريبية متخصصة لتدريب أطباء متخصصين في هذا المجال ومحوره الرعاية الأولية الوقائية والتعامل مع المشكلات الصحية الأكثر شيوعاً في المجتمع.

وكانت المملكة العربية السعودية هي السباقة على المستوى العربي بإطلاقها برنامج زمالة في هذا التخصص سنة 1985م، ثم قام المجلس العربي للاختصاصات الصحية بتوحيد المعايير من خلال تقديم برامج متخصصة في طب العائلة. وهناك اليوم اهتمام عربي متزايد بهذا التخصص كجزء من برامج تطوير أنظمة الرعاية الصحية في الدول العربية لتحقيق الاستدامة.

وقريباً من طب العائلة هناك الطب التلطيفي أو (Palliative Medicine) الذي يمكن تعريفه بأنه تخصص طبي يركز على تحسين جودة الحياة للمرضى وعائلاتهم الذين يعانون من أمراض خطيرة أو مزمنة، بغض النظر عن مرحلة المرض، وذلك من خلال تخفيف الألم والأعراض والمشكلات النفسية والاجتماعية والروحية والعاطفية ذات الصلة.

ويشمل هذا النهج المتعدد التخصصات والذي يقدم في المستشفيات أو دور الرعاية أو في المنزل، الأطباء والممرضين والمعالجين والمرشدين الاجتماعيين والروحيين من أجل دعم المريض وعائلته خلال مدة علاجه، بتحسين ظروفه وليس بالضرورة علاجه وشفائه.

ما سبق كان توطئة للحديث عن الدكتورة أمينة الأنصاري التي تعد أول طبيب استشاري كويتي متخصص في الطب التلطيفي، بل، وأيضاً، أول من دشنت بمجهوداتها الشخصية تقديم الرعاية والطبابة التلطيفية في الكويت من خلال الزيارات المنزلية ثم عن طريق وحدة أسستها بأحد المستشفيات الخاصة. ونظراً لجهودها التي ساهمت في تخفيف معاناة الكثيرين من المصابين بأمراض مزمنة مثل السرطان والكلى والسكري والقلب والانيميا والإدمان، فقد استحقت عن جدارة لقبي «رمز الرحمة»، و«صاحبة القلب الحنون».

كتب عنها الزميل الكاتب حمزة عليان في صحيفة «القبس» الكويتية (7/10/2017) فقال: «ارتبط اسمها بالرعاية التلطيفية. كان الناس يخافون من زيارة المركز الذي تديره. لم يكن أهالي مرضى السرطان يعرفون ماذا يدور بداخله. كان الوضع في غاية الصعوبة إلى أن عينت كأول طبيبة متخصصة في علاج هذه الفئة منذ لحظة معرفتهم بأن وضعهم ميؤوس من شفائه، ولهذا كانت الأنصاري وجهاً في الأحداث».

وأضاف العليان ما مفاده أن الأنصاري أحدثت تغييراً جذرياً في مركز الرعاية التلطيفية حينما تولت إدارته سنة 2013، حيث بدأت من الصفر لجهة العلاج والتشغيل والتوعية والاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية للمريض وشكل البيئة التي يعيش فيها وصفات من يتواصلون معه، وغير ذلك، إلى أن أصبحت أماً لجميع مرضى السرطان.

وصفت الأنصاري نفسها في حوار تلفزيوني بأنها حساسة جداً لكنها قوية لأن الحياة علمتها الكثير، ولأنها واجهت العديد من المواقف الصعبة والمؤلمة والمؤثرة في مسيرتها المهنية من تلك التي زادتها صلابة وخبرة. وتنظر الأنصاري إلى الرعاية والطبابة التلطيفية كحق من حقوق الإنسان، لأن من حق أي إنسان مصاب بمرض مزمن أن يتلقى هذا النوع من العناية، قائلة: «نحن نعالج الإنسان كإنسان وليس كحالة مرضية».

أما طموحها فهو أن تصل الرعاية التلطيفية إلى المنازل، بحيث تبدأ فترة العلاج من البيت وتنتهي في البيت كما هو معمول به في بعض البلدان، وتبرر ذلك بعدم تحميل المريض عبء الانتقال إلى المستشفى وعدم التسبب في إحراجه أمام الغرباء، ناهيك عن أن العلاج في بيئة اعتاد عليها كمنزله أضمن صحياً وأكثر فائدة له من الناحية النفسية، ما قد يسرع في علاجه.

ولدت الدكتورة أمينة محمد أحمد الأنصاري بدولة الكويت لأبوين كويتيين، وأنهت تعليمها العام في مدارس كويتية. ومنذ سنوات طفولتها ودراستها الأولى نما لديها شغف غريب بمعرفة ما بداخل الحيوانات، فكانت تشرحها لإشباع فضولها، وكان والدها يراقبها ويرى أنها ستصبح طبية يوماً ما على حد قولها.

بعد تخرجها من القسم العلمي بالمرحلة الثانوية، التحقت بجامعة الكويت لدراسة الطب، ونجحت في الحصول على بكالوريوس الطب والجراحة في عام 2001، ثم حصلت على البورد الكويتي وزمالة الكلية الملكية البريطانية لطب العائلة في عام 2007، واتبعتهما بالتخصص في الطب التلطيفي بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض حتى نيلها درجة الزمالة في عام 2013.

بعد ذلك عملت لسنوات في طب العائلة إكلينيكياً من خلال مراكز صحية كويتية بمنطقتي قرطبة واليرموك وغيرهما، ثم راكمت خبرات عملية في الطب التلطيفي لسنوات طويلة أخرى، وبذلك صارت أول طبيبة كويتية متخصصة في الطب التلطيفي وأول كويتية حاصلة على خمس زمالات طبية.

وخلال مسيرتها المهنية الممتدة لأكثر من إثنى عشر عاماً، ترأست أول مركز للطب التلطيفي بالكويت، وعملت استشارية طب عائلة وطب تلطيفي، ومدربة معتمدة من الكلية الملكية البريطانية لطب العائلة، ونائبة رئيس للمجموعة العربية للطب التلطيفي، وعضواً في الجمعية السعودية للطب التلطيفي، ومتحدثة أو مشاركة بالأبحاث والأوراق العلمية في مؤتمرات الطب التلطيفي. كما تم انتخابها بالتزكية في عام 2024 لرئاسة رابطة الطب التلطيفي بالكويت.

ومما لا شك فيه أن هذه الأعمال والمشاركات والانشغالات أمدتها بخبرة لا تقدر بثمن في مجالات طب العائلة وعلاج الأورام المزمنة، وعلاج أعراض مرض السرطان، وتشخيص وعلاج المشكلات النفسية الناجمة عن الأمراض المزمنة، ومهارات التواصل مع المريض وأسرته، ومهارات التعامل مع كبار السن والمصابين بالزهايمر والاضطرابات الذهنية والمرضى المتألمين من الانيميا المنجلية والديسك، ومهارات تثقيف مقدمي الرعاية المنزلية.

إبان عملها كطبية عائلة في بداية مسيرتها المهنية، لفت نظرها ما يعانيه المريض من مشقة للحضور برفقة ذويه إلى المراكز الصحية وهو محمول على الأكتاف أو على نقالات وكراسي متحركة، وأيقنت أن ذلك يزيده إرهاقاً ومرضاً وقلقاً، وقد يتسبب وجوده في تلك المراكز واختلاطه بالمرضى الآخرين في إصابته بالعدوى، الأمر الذي دفعها إلى تبني فكرة الانتقال شخصياً إلى المريض في بيته لعلاجه في البيئة التي اعتاد عليها ووسط أهله وذويه. ومن هنا تبنت «مشروع الرعاية المنزلية» الذي كاد أن يتطور وينال الاعتراف والدعم الرسمي لولا ظهور وباء كورونا.

وحينما انتقلت للعمل في مركز الرعاية التلطيفية بمقرها في منطقة الصباح الطبية رئيسة للمركز، عملت على مدى ست سنوات متواصلة في رعاية وتثقيف وتخفيف آلام المصابين بأمراض مزمنة، وعلى رأسهم مرضى السرطان، إلى جانب التعريف بأهمية الطب التلطيفي وضروراته للمريض.

وخلال تلك السنوات الست، التي انتهت في عام 2016 بقرار وزارة الصحة الكويتية تعيين زميلها الدكتور عبد الرحمن الكندري خلفاً لها على رأس المركز، وانتقالها هي للعمل أستشارية في الطب التلطيفي في المركز واستشارية في مستشفى رويال حياة الخاص وفي «بيت عبدالله»، شهدت الأنصاري العديد من الحالات التي تأثرت بها، وخرجت بدروس لا تقدر بثمن، وزاد إيمانها بأن جزءاً كبيراً من مشكلات المرضى نفسية ويمكن تخفيفها بخطوات وقرارات تلبي رغباتهم البسيطة وتسعد قلوبهم.

وفي هذا السياق تتذكر حالات صادفتها، وقامت شخصياً بتلبية رغبات أصحابها، فكانت النتائج مرضية وانعكست إيجاباً على أحوالهم، ومنها، على سبيل المثال، حالة مريض بالسرطان ميؤوس من شفائه، تمنى أن يشهد قران ابنته قبل وفاته، فقامت الأنصاري بالاستجابة لرغبته، ورتبت له داخل مركز الرعاية قاعة للزواج وأتت بفرقة غنائية.

ومنها أيضاً حالة شاب كويتي كان يتعالج من السرطان في الولايات المتحدة، فلما عاد إلى الكويت والتحق بمركز الرعاية التلطيفية، تمنى أن يشاهد سيارته القديمة ويشتم رائحتها، فقامت الأنصاري بالاتصال بذويه الذين أحضروا السيارة إلى مدخل مركز العلاج ليراها صاحبها ويتفقدها ويشتم رائحتها، الأمر الذي أسعده وخفف شيئاً من أوجاعه، وساهم في خلوده للنوم دون أرق.

وروت الأنصاري في حواراتها التلفزيونية قصة عملها في «بيت عبدالله» في الكويت، و«بيت عبدالله» ليس مستشفى بالمعنى المعروف للمستشفيات، لكنه عبارة عن منزل للمواساة وتخفيف الألم والانتصار للحياة. وبعبارة أخرى هو مركز طبي يقدم الرعاية التلطيفية والدعمين النفسي والعاطفي لمرضى السرطان من الأطفال وأطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى طفل كويتي يدعى عبدالله كان قد عاد من لندن بعد فشل رحلة علاجه من الورم السرطاني.

ولأنه أقام لمدة طويلة في المستشفيات، وواجه خلالها إجراءات طبية مؤلمة، فقد نما لديه خوف من أجواء المصحات، فوعدته أمه بأنه لن يضطر للبقاء في المستشفى مرة أخرى، وقامت أم عبدالله بالاتصال بوزير الصحة الكويتي الأسبق الدكتور هلال الساير لتوفير فريق طبي يتعامل مع آلام عبدالله ومشكلاته الصحية في المنزل، وبالفعل حقق لها الساير رغبتها، وهو ما سمح لعبدالله بأن يعيش حياة طبيعية قدر الإمكان لأطول فترة ممكنة وسط أهله. وبعد ستة أشهر وقبل أسابيع فقط من عيد ميلاده الخامس توفي عبدالله في أبريل 1990 بهدوء بين ذراعي والدته.

هذه القصة ألهمت الدكتور الساير وزوجته الدكتورة مارغريت المعروفان في الكويت بجهودهما وأنشطتهما في مجال توفير اللعب والرعاية النفسية للأطفال في المستشفى الأميري منذ عام 1989، بافتتاح «بيت عبدالله» لرعاية الأطفال رسمياً تحت رعاية أمير الكويت في يناير 2012، ليصبح هذا الصرح العلاجي أول دار رعاية تلطيفية للأطفال في الكويت والوحيد من نوعه في البلاد العربية والشرق الأوسط.

هذا علماً بأن عمل «بيت عبدالله» تطور كثيراً مذاك، فصار يدير برامج حياة الطفل المريض في سبعة مستشفيات في جميع أنحاء الكويت، وأصبح يوفر كل ما يحتاجه الطفل وأسرته أثناء فترة العلاج من ألعاب وتوجيه وعناية ورعاية نفسية وعاطفية وتنموية وبرامج تأقلم وإدارة مخاوف ومساندة وأمل.

تقول الدكتورة أمينة الأنصاري أن الدكتور الساير بحث مع فريق عمله عن طبيبة يوكل لها إدارة «بيت عبدالله»، فاقترح البعض اسمها، واعترض البعض الآخر كونها متخصصة في الطب التلطيفي للكبار، لكن الساير حسم الأمر وتساءل «ما المانع من الاستعانة بالدكتورة الأنصاري؟». وهكذا تولت مسؤولية إدارة «بيت عبدالله» وتعلمت الكثير من عملها هناك.

وأخيراً، لفتت الأنصاري أكثر من مرة النظر إلى أن قلة المتخصصين في الطب التلطيفي ليس هو العائق الوحيد أمام الإقبال على الاستفادة من هذا التخصص، أو أمام زيادة وحداته وأقسامه في المستشفيات العامة والخاصة، وإنما أيضاً عوائق أخرى مثل مستوى تعليم وإدراك ووعي المريض، وخوف ذويه من وصمهم بالتقصير في حقه، وربط العناية التلطيفية بفكرة الموت، والغياب المعرفي لدى المريض وأسرته بمفهوم الرعاية التلطيفية، علاوة على أسباب نفسية كثيرة.