في عالم يتسم بتزايد الاضطرابات وتراجع الوضوح الجيوسياسي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط المكتظة بالأزمات والأحداث المتلاحقة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من الدول القليلة التي نجحت في تحويل الاستقرار إلى ركيزة استراتيجية، والسلام إلى أداة تأثير، والتوازن إلى فلسفة دولة، لم يكن هذا الدور طارئاً، بل نتاج رؤية بعيدة المدى أدركت أن الاستقرار لا يُدار بالظروف، بل يُبنى بالمؤسسات والسياسات.

وقد لخص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذه الرؤية بقوله: «إن سياسة دولة الإمارات ستظل داعمة للسلام والاستقرار في منطقتنا والعالم، وعوناً للشقيق والصديق، وداعية إلى الحوار والتفاهم»، وهي عبارة تحولت من إطار نظري إلى نهج عملي يوجه السياسة الخارجية والدبلوماسية الإماراتية الرصينة، ويحدد موقعها في النظام الدولي.

لقد استطاعت الإمارات أن تفرض حضورها قوة توازن إقليمية ودولية عبر دبلوماسية نشطة تقوم على خفض التصعيد وبناء الجسور، وفي بيئة دولية تتسع فيها فجوات الثقة، برزت دولة الإمارات وسيطاً قادراً على التواصل مع أطراف متعارضة دون أن تفقد مصداقيتها.

وتجلّى هذا الدور بوضوح في الأزمة الروسية الأوكرانية، حيث نجحت الدبلوماسية الإماراتية في الجمع بين التحرك الإيجابي والتأثير الفعلي؛ فمنذ اندلاع الأزمة، أسهمت الوساطات الإماراتية في إنجاز سلسلة من عمليات تبادل الأسرى، شملت آلاف الأسرى من الجانبين، ما جعل الإمارات إحدى القنوات القليلة الموثوقة بين موسكو وكييف.

وخلال الأيام الأخيرة، استضافت دولة الإمارات جولات حوار ومشاورات سياسية هدفت إلى الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة ودعم المسار الدبلوماسي، في وقت تراجعت فيه فرص التفاوض المباشر، هذه الجهود تؤكد أن الإمارات لم تكتفِ بموقع المراقب، بل لعبت دوراً فاعلاً في تخفيف آثار الحرب وتعزيز فرص الحل السلمي.

غير أن الدور الإماراتي في صناعة الاستقرار يتجاوز الوساطة السياسية إلى معالجة جذور الأزمات؛ فالرؤية الإماراتية تنطلق من قناعة بأن التنمية هي الضامن الحقيقي للأمن، وأن الفراغ الاقتصادي يولد عدم الاستقرار، ولهذا، تصدرت الإمارات لسنوات قائمة أكبر المانحين للمساعدات الإنمائية، وقدمت عشرات المليارات من الدولارات دعماً للتنمية والاستقرار في مناطق متعددة من العالم.

كما استثمرت في مشاريع الطاقة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد العالمية، ما عزز الاستقرار الاقتصادي في بيئات هشة، ورسخ دورها شريكاً تنموياً لا فاعلاً اقتصادياً فقط، هذا النهج يعكس الرؤية الحكيمة للوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي آمن بأن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي للاستقرار.

وإلى جانب القوة الاقتصادية، وظفت الإمارات قوتها الناعمة لتعزيز خطاب الاعتدال والتعايش، مقدمة نموذجاً عالمياً في إدارة التنوع المجتمعي والتسامح الثقافي، فاحتضانها لأكثر من مئتي جنسية في مجتمع مستقر، وتبنيها مبادرات عالمية لتعزيز الحوار الإنساني، عززا مكانتها قوة معنوية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتشير مؤشرات القوة الناعمة العالمية إلى صعود مستمر لمكانة الإمارات، ما يعكس نجاحها في تحويل القيم الإنسانية إلى أدوات تأثير دولي.

أما على المستوى الأمني، فقد تبنت الإمارات مقاربة شاملة تقوم على حماية السلام عبر مواجهة جذور التطرف، والمشاركة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، ودعم استقرار الدول المتأثرة بالنزاعات.

وتستند هذه السياسة إلى معادلة واضحة؛ لا أمن دون تنمية، ولا استقرار دون توازن بين القوة والحكمة، ومن خلال هذا التكامل، نجحت الإمارات في بناء نموذج يجمع بين الدبلوماسية والتنمية والقوة الناعمة والأمن في إطار رؤية استراتيجية واحدة.

اليوم، تقف الإمارات بوصفها إحدى القوى التي عرفت بالمصداقية والثقة العالمية في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، لا تسعى إلى الهيمنة بل إلى التوازن، ولا إلى إدارة الأزمات بل إلى صناعة الحلول، ومع استمرار دورها في الوساطات الدولية، خاصة في الأزمة الروسية الأوكرانية، وغيرها، يتأكد أن السياسة الإماراتية ليست ظرفية، بل استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحويل السلام إلى ركن أساسي في النظام الدولي الجديد، بحيث يخدم الإنسان أولاً.

الإمارات لم تكتفِ بتحقيق الاستقرار الداخلي، بل صدّرته كنموذج عملي يجمع بين الحداثة والأصالة، الاقتصاد والقيم، القوة والحكمة، في عالم تتصاعد فيه الصراعات والاضطرابات، تثبت التجربة الإماراتية أن الاستقرار خيار استراتيجي واعٍ، وأن السلام يُبنى بالاستثمار المستدام في الإنسان أولاً وأخيراً، إنها مسيرة بدأت بحلم المؤسس الشيخ زايد، وتستمر بعزيمة الرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي مفادها أن «مستقبل الأمم يُصنع بالتعاون والمصداقية لا بالصراع واضطراب الموقف».