لكل وطن سرديته التي يصنعها لنفسه، أو التي يتداولها الآخرون عنه بوصفها سمة مميزة له ولأبنائه.

وفي الإمارات تتعدد السرديات، فهناك سردية الإنجاز والريادة الإقليمية والعالمية في مجالات التنمية والازدهار، والتي يلخصها البعض بعبارات مثل «كوكب الإمارات»، أو «كوكب دبي»، أو النموذج التنموي الإماراتي.

وهناك السردية المرتبطة بمنظومة القيم التي تميز الإمارات وأهلها وعلى رأسها قيم التسامح والتعايش والإخوة الإنسانية، فالإمارات باتت توصف بأنها وطن التسامح والإنسانية.

ولكن السردية الأهم في تقديري هي سردية الهوية الوطنية الإماراتية، والتي تشير إلى النموذج الإماراتي الاستثنائي في تعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني، وتمسك أبناء الإمارات بهويتهم الوطنية التي توارثوها عبر الأجيال، وما زالوا يتمسكون بها رغم كل مظاهر العولمة والتحديث التي شهدتها وتشهدها الدولة.

وبالأمس، أصدر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، قراراً بتشكيل «لجنة الهوية الوطنية» برئاسة سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة لشؤون المشاريع الوطنية، والتي ستضطلع بدور محوري في ترسيخ الهوية الوطنية الإماراتية، من خلال الإشراف على تنفيذ وتطبيق استراتيجية الهوية الوطنية للدولة، التي تم الإعلان عنها في أواخر العام الماضي.

ومن بين المهام المتعددة التي ستقوم بها اللجنة صياغة سردية الهوية الوطنية، من خلال تصميم وتنفيذ خطط اتصال متكاملة تعزز حضور الهوية الوطنية ومكوناتها في المشهد الإعلامي عبر القنوات الحديثة والتفاعلية، بما يشمل جميع الفئات المجتمعية.

نتفق أو نختلف حول طبيعة وحدود التهديدات التي تشكلها العولمة والتطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم وثورة الذكاء الاصطناعي على قيم الهوية الوطنية للمجتمعات ككل، ومنها المجتمع الإماراتي الأكثر انفتاحاً على العالم، والأكثر اندماجاً في ثورته التكنولوجية، تظل الحقيقة واحدة وواضحة، وهي أن ترسيخ الهوية الوطنية للمجتمع ستظل تمثل حصن الدفاع الأول عن هذا الوطن وتعزيز تماسكه ومنعته على أي محاولات خارجية لاختراقه من الداخل ضمن حروب ما يعرف بالجيل الخامس.

ومن هنا تأتي أهمية استراتيجية الهوية الوطنية، والتي تستهدف تعزيز الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية الإماراتية، وترسيخ التلاحم والاستقرار الأسري والمجتمعي، بما يعزز روح التكامل ضمن مجتمع واحد يتشارك القيم والانتماء لهذه الأرض.

وبطبيعة الحال فإن وجود لجنة أو استراتيجية للهوية الوطنية لا يعني الخوف على هويتنا بقدر ما يعني الحرص على ترسيخ هذه الهوية القائمة على الولاء والانتماء للوطن وقيادته الرشيدة، والتي شكلت على الدوام القاعدة الصلبة للاستقرار والتماسك الوطني والازدهار الذي ننعم به اليوم.

إن هويتنا الوطنية الإماراتية متجذرة في عمق تاريخنا الوطني، وفي ملامح الشخصية الإماراتية.

وهي تستمد قوتها ورسوخها من العادات والتقاليد والتراث الإماراتي الغني، ومنظومة القيم الإماراتية الأصيلة التي يبحث عنها عالم اليوم مثل التسامح والسلام، والتعاون والاحترام والكرم.

لقد جسد زايد الخير، رحمه الله، سردية الهوية الوطنية الإماراتية التي يضرب بها العالم كله المثل والقدوة في كيفية بناء التماسك الوطني والوحدة الوطنية، كما جسدها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بمقولته التاريخية والعبقرية «البيت متوحد».

ومع صياغة هذه الأطر المؤسسية والسياساتية لن يكون هناك شك في ترسيخ هذه السردية كصفة ملازمة للشخصية الوطنية الإماراتية في العالم كله.