على أعتاب شهر رمضان المبارك، وفي خضم التحضيرات التي نقوم بها عادة لاستقبال الشهر الكريم، في رواق عوشة بنت حسين الثقافي، في توزيع المساعدات والتحضيرات لتوزيع آلاف الوجبات اليومية لإفطار الصائمين، ودعم الأسر المتعففة، تعزيزاً لقيم التكافل الاجتماعي في الإمارات، تحضرني والدتي عوشة، رحمها الله، أكثر مما يحضرني أي اهتمام آخر، فأراها أمامي امرأة تقود بيتها كما يُقاد وطن، تربي أجيالاً بقلب واسع وعقل راجح، تزرع فينا معنى المسؤولية قبل أن نعرف تعريفها في الكتب. حيث كانت تمارس التربية كفعل وعي يومي، بالقدوة الحسنة، وتغرس فينا السنع من خلال الموقف، والنبرة، وطريقة استقبال الضيف، واحترام الكبير، والاعتزاز بالهوية.
في حضورها تعلمت أن الأسرة في الإمارات تمثل المدرسة الأولى التي تتشكل فيها ملامح الإنسان. البيت كان فضاءً للتربية على الصبر، وعلى النظام، وعلى تقدير العمل. والدتي كانت ترى في كل تصرف رسالة، وفي كل كلمة أثراً ممتداً في النفس. كانت تقود المجتمع الصغير داخل البيت بحكمة هادئة، وتدرك أن بناء الإنسان يبدأ من تفاصيل دقيقة تتكرر كل يوم.
عام الأسرة في الإمارات يأتي ليعيد تسليط الضوء على هذه الحقيقة العميقة، فالأسرة تشكل الركيزة التي ينبثق منها الوعي الوطني، وفيها تتأسس علاقة الفرد بوطنه قبل أن يتعرف إلى العالم، حيث تنشأ قيم التعاون داخل الفريج، وبين جدران البيوت المتلاصقة، وتتكرس روح التكافل، وتعلم الأبناء أن قوة المجتمع تنبع من تماسكه الداخلي.
الأسرة الإماراتية عبر تاريخها حملت مسؤولية صياغة الهوية، فالبحر علمها الصبر، والصحراء منحتها الصلابة، والمجلس رسخ فيها ثقافة الشورى، وهذا التفاعل بين البيئة والبيت أنتج شخصية متوازنة، تعرف كيف تتعامل مع التحديات بثبات، وتتحرك بثقة في فضاءات أوسع. في تقديري كباحثة اجتماعية متخصصة، فإن العلاقة بين الأسرة والتراث علاقة تفاعل دائم، وأقول دائماً إن «الأسرة تصنع التراث والتراث يصنع الأسرة»، فالأسرة تحفظ الحكاية، وتورث الحرفة، وتغرس السنع عبر الممارسة اليومية. والتراث يمنح الأسرة إطاراً أخلاقياً ينظم الإيقاع الداخلي للحياة. حين يجتمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة، تتجلى قيمة الألفة، وحين يُفتح المجلس للضيف، تظهر معاني الكرم والوقار، وهذه التفاصيل تشكل نسيجاً اجتماعياً متماسكاً ينعكس على استقرار المجتمع بأسره.
عام الأسرة في الإمارات يفتح مساحة للتأمل في مسؤولية الجيل المعاصر، فالتكنولوجيا توسع المدارك، وتمنح الأبناء أدوات معرفة واسعة، والأسرة قادرة على توجيه هذا الاتساع ضمن رؤية متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح. الاعتزاز باللغة العربية، والزي الوطني، وتاريخ الأجداد، يمنح الأبناء قاعدة نفسية راسخة يتحركون منها بثقة نحو المستقبل.
وكخبيرة تراث أيضاً، أرى أن التراث غير المادي يشكل خزاناً عاطفياً للأسرة، فالأمثال الشعبية، والأهازيج، والقصص والحكايات التي تُروى في المجالس، تنقل خبرة إنسانية متراكمة، وتغرس في الطفل إحساساً بالانتماء. حين يسمع الصغير حكاية عن شجاعة أو كرم، يتعلم أن هذه القيم جزء من هويته الشخصية. هذا الشعور بالامتداد عبر الزمن يمنحه استقراراً داخلياً يعزز ثقته بنفسه.
في هذا العام، وفي هذا الشهر المبارك، تتعزز الدعوة إلى تحويل المجالس إلى منصات حوار بين الأجيال، وإلى توثيق الذاكرة الأسرية عبر الوسائط الرقمية، فالصور القديمة، والمرويات الشفهية، والوثائق العائلية، تمثل كنزاً معرفياً يمكن جمعه في أرشيف رقمي يربط الأحفاد بتاريخهم. التكنولوجيا هنا تسهم في تعميق الروابط، وتمنح الذاكرة مساحة أوسع للحضور.
وبما أن الصناعات الثقافية تمثل امتداداً عملياً لقيم الأسرة، فلابد من دعم المشاريع والجهود التي ترى ضرورة أن تتبنى العائلة الإماراتية الحرف التقليدية، وتحولها إلى مشاريع إنتاجية، فهي تغرس في الأبناء قيمة العمل والابتكار، فهذه الحرف مثل التلي، والخوص، والسدو، وغيرها الكثير هي رموز حية تعكس مهارة متوارثة ورؤية اقتصادية معاصرة، والذي من شأنه تعزيز مفهوم الاستدامة الثقافية، ويجعل التراث مصدر فخر وقيمة مضافة.
في هذا الشهر الكريم، ونحن نتأمل عظمة البناء الأسري في دولة الإمارات العربية، لابد أن نعود إلى تراثنا ونستلهم من جداتنا وأمهاتنا كيف نتمسك بالجذور، ونتعلم أن قوة المجتمع تبدأ من متانة بيوته وأسره، وننقل عنهن بأمانة قيم «السنع» الإماراتي؛ ونحكي عن بصماتهن في رعاية النشء، وكيف يمكن أن يورث العطاء للأجيال، ليدرك الجميع أن استدامة التراث هي مهمة سامية تبدأ من قلب الأم وتنتهي عند شموخ الوطن.