هل سمعت بحكاية العصافير والبومة؟ في هذه الحكاية، قررت مجموعة من العصافير اقتناء بومة توفر لها القوة والحماية والرأي والمشورة، لكن أحدها تساءل: «إذا اقتنينا بومة... فهل سنعرف كيف نسيطر عليها؟».

في هذه القصة الرمزية من كتاب الذكاء الفائق للفيلسوف السويدي بوستروم، يتناول المؤلف علاقتنا نحن البشر بالذكاء الاصطناعي، وفي هذه العلاقة، يمثل البشر مجتمع العصافير، وتمثل البومة الذكاء الاصطناعي.

نواصل في هذه المقالة تناول التحولات العميقة التي يعيشها التعليم العالي في عصر الذكاء الاصطناعي.

وبعد أن تحدثنا عن ضرورة الابتكار، ثم انتقلنا إلى المبادرات التطبيقية التي تقود هذا التحول، نصل اليوم إلى موضوع أكثر عمقاً وجرأة: الذكاء الفائق. وهنا لسنا أمام تطور تدريجي أو تحسين تقني، بل أمام قفزة نوعية قد تعيد تشكيل علاقة الإنسان بمعرفته وبمستقبله.

يمثل التشبيه السابق في الحكاية أكثر من مجرد صورة أدبية جميلة، بل يحمل جوهر التحدي الذي يواجهه العالم اليوم.

ذلك أن الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الذكاء الفائق، ليس نسخة محسّنة من التكنولوجيا التي نستخدمها اليوم، وليس تحسيناً لشريحة إلكترونية أو زيادة في سرعة معالجة المعلومات. عند هذه المرحلة، نحن أمام احتمال ظهور عقل يفوق القدرات البشرية في الفهم، والتعلم، واتخاذ القرار، وتحليل الاحتمالات، وإنتاج المعرفة. والسؤال لم يعد: هل سنطوّر هذا الذكاء؟ بل أصبح: هل سنتمكن من التعامل معه؟

وما دمنا في هذه العلاقة نمثل العصافير، فيما تمثل البومة الذكاء الاصطناعي أو الفائق، فإن هذه المماثلة تكثّف الفارق بين القوة والسيطرة. إن العصافير صغيرة وأنيقة وسريعة، لكنها لا تمتلك القدرة على السيطرة على ما هو أكبر منها. والذكاء الفائق سيكون مثل البومة شديد القوة، واسع الرؤية، قادراً على استيعاب تفاصيل لا نراها نحن.

ومع كل خطوة نقترب فيها من تطويره، نصبح أقرب إلى لحظة الحقيقة: هل نصنع أداة تحت سيطرتنا، أم نصنع كياناً يتجاوز سيطرتنا؟

إذن المسألة ليست هل سنصنعه، بل هل سنُحسن التعامل معه؟ وإن السؤال الأكبر ليس تقنياً، بل فلسفي وإنساني.

وما يريد أن يقوله المؤلف إن التكنولوجيا تتقدم بسرعة، لكن الحكمة لا تتقدم بالسرعة نفسها. إذن كلما زادت قدرة الآلة، زادت مسؤولية الإنسان في كيفية توجيهها.

ولذلك، فإن الجامعات اليوم لم تعد مطالبة بتدريس المهارات التقليدية فقط، بل بتعليم التفكير النقدي، والوعي، والقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي.

فإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج آلاف الصفحات في دقائق، فإن الإنسان وحده من يستطيع أن يمنح هذه الصفحات معنى وقيمة وغاية.

ليس الذكاء الفائق خيالاً علمياً بعيداً، بل مرحلة تقترب منا كل يوم. ونحن نراه في تحليل البيانات، وفي أنظمة التنبؤ، وفي أدوات التعليم المتقدمة، وفي قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة التفكير البشري. ومع كل تطور، يزداد السؤال إلحاحاً: هل نحن مستعدون؟ وهل نملك القدرة على توجيه القوة بدل أن ننحني لها؟ لذلك فإن المستقبل يحتاج إلى وعي، لا إلى خوف. إلى قيادة، لا إلى انتظار. فالوعي يمكّن الإنسان من اتخاذ القرار الصحيح، وإدارة الذكاء الفائق لا تكون بالرفض ولا بالمواجهة، بل بالاستعداد والفهم والاندماج الذكي. ومن هنا يأتي دور التعليم العالي.

لذلك أقول إن الجامعات ليست مكاناً لتعليم المهارات فحسب، بل لتعليم كيفية استخدام المعرفة والتكنولوجيا بمسؤولية. فإذا كانت الآلة تعرف، فإن الإنسان يجب أن يفكر. وإذا كانت الآلة تحلل، فإن الإنسان يجب أن يقرر.

إن الذكاء الفائق سيكون حاضراً في المستقبل، سواء كنا مستعدين أم لم نكن. وليس الخيار الذي أمامنا بين صنعه أو عدم صنعه، بل بين قيادته أو تسليم زمام القيادة للتكنولوجيا.

وهنا يكمن جوهر القضية: الجامعات والأنظمة التعليمية التي تستوعب هذه القفزة هي التي ستقود العالم، أما التي تتجاهلها، فستتحول إلى متاحف.