بعد نشر مقالي «وجود مشروط» الأسبوع الماضي، طرح علي صديق سؤالاً ظل يتردد في ذهني: «لو قرأتِ رواية الحمامة لباتريك زوسكيند، ماذا كنتِ ستكتبين؟».
ولم يكن السؤال دعوة إلى المقارنة بقدر ما كان فتحاً لبابٍ لم أنتبه إليه من قبل، فرواية الحمامة ليست مجرد قصة عن رجل منعزل، بل قراءة مبكرة لعصرٍ صارت فيه العزلة هويةً كاملة، لا مجرد حالة عابرة، إنها حكاية عن الملاذات الآمنة التي نبنيها بصمت، ثم نكتشف أنها قد تتحول دون أن نشعر إلى حدودٍ ضيقة تحاصرنا بلطف..!
بعد تلك الرسالة، عدتُ إلى رواية الحمامة، بشيء يشبه التواطؤ الصامت مع سؤال مُلحٍ، وأنا أقرأ.. لم أستشعر عزلة جوناثان نويل بوصفها حالة فردية متطرفة، بل شكلاً مألوفاً من العيش، شكلاً أمارسه شخصياً – بدرجات متفاوتة – كما يمارسه كثيرون دون أن يسموه عزلة، إذ لم تكن الرواية مرآة لشخصٍ آخر بقدر ما بدت نافذة على هاجس اجتماعي واسع، ورغبة خفية في تقليص العالم أو تهذيبه، أو جعله قابلاً للتحكم، حتى لو كان الثمن انسحاباً هادئاً من ضجيجه البشري..!
لقد أصبح الاختلاط بالبشر عبئاً وجودياً ثقيلاً، كل علاقة تحمل احتمالات لا يمكن ضبطها، قد تتجلى بسوء فهم أو خذلان، أو قد تأتي في شكل التزام وتوقعات متبادلة لا تنتهي، وأمام هذا الثقل، يقدم لنا العصر الحديث مخرجاً مغرياً اسمه «الفردوس الفردي»، وهو عالم مُصمم بعناية، قوامه طقوس شخصية وهوايات مختلفة، لكنها تمنحنا إحساساً بالسيطرة على يومٍ لم يعد يحتمل المفاجآت، إذ لم نعد نقول «أنا وحيد» بل «أنا أستمتع بوقتي مع نفسي».
ولم تعد الغرفة أو المكتب أو ما أسميه «محراب العزلة» مجرد مساحة، بل مشروعاً جمالياً متكاملاً، من ترتيب ونباتات وكتب وإضاءة دافئة، فضلاً عن جدول يومي هادئ، وتبدو هذه الممارسات صحية، وربما ضرورية في عالم صاخب، لكنها في الوقت نفسه تعيد رسم حدود غير مرئية بيننا وبين العالم الخارجي، وهي حدود كلما ازدادت جمالاً، ازدادت هشاشة..!
والمشكلة التي تطرحها رواية الحمامة، ليست في وجود هذا الملاذ، بل في نسيان وجود العتبة، وجوناثان نويل لم يكن يكره العالم بقدر ما كان يخشى عبور الباب إليه، لقد أحكم إغلاق حياته حتى تحول الاستقرار إلى نظام مغلق لا يعرف كيف يستقبل ما لا يمكن توقعه.
وهنا يكمن الخطر الخفي الذي يواجهنا اليوم، أن تصبح غرفنا المضيئة مريحة إلى درجة تجعل الخروج منها يبدو كخسارة أو تيه، وفي الرواية، لم تكن المشكلة في الحمامة نفسها، بل في أنها ظهرت في المكان الذي عدّه البطل نقياً من الفوضى، عند تلك العتبة التي تحولت إلى معبدٍ صغير للطمأنينة..!
أحياناً، يحدث شرخ دقيق في نسيج الواقع الذي نألفه، ولا يأتي هذا الشرخ بالضرورة على هيئة كائن حي أو شخص آخر، بل يتجسد في لحظة واقع خالص، لحظة تتجرد فيها الأشياء من المعاني التي نُلصقها بها وتظهر في حقيقتها المادية الصامتة، نحن نعيش مغمورين بطبقات من التفسير تجعل العالم قابلاً للاحتمال.
فالهواية ليست مجرد فعل بل هوية، والغرفة ليست مكاناً بل ملاذ، لكن الحمامة هي مجرد حمامة، وجود لا يكترث بنظامنا الرمزي ولا بلغتنا المطمئنة، وهنا لا يولد الخوف من خطرٍ محدد، بل من انكشاف فجوةٍ في قدرتنا على التأويل..!
فحمامة زوسكيند هي عتبة التجلي، والخط الفاصل بين عالمنا الداخلي المنظم والعالم الخارجي الذي لا يمكن السيطرة عليه، والأهمية لا تكمن في اختيار الوقوف داخل الغرفة أو خارجها، بل في إبقاء الباب موارباً، واليقين بأننا نحتاج إلى ملاذنا الخاص.
لكننا أيضاً جزء من عالم أوسع لا يمكننا الانفصال عنه، فالإنسان الكامل ليس من يغلق الباب بإحكام أو يفتحه على مصراعيه، بل من يتقن فن العيش على هذه العتبة، قادراً على الاستمتاع بعمق بعزلته المضيئة، وفي نفس الوقت، مستعداً لعبورها إلى العالم بقلب منفتح، فالوجود الإنساني في جوهره ليس حالة من الاستقرار، بل هو فن التأرجح الدائم على هذه العتبة..!