بإصداره مرسوماً رئاسياً في 2 فبراير الجاري بدعوة الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، إلى انتخاب المجلس الوطني، فتح الرئيس محمود عباس (أبو مازن) باباً واسعاً لجدالات ونقاشات وحوارات وتساؤلات، لدى كل الأوساط المعنية بالقضية الفلسطينية. باب نحسب أنه لن يغلق، سواء تم هذا الإجراء أو لم يتم، في الموعد الذي تحدد بالأول من نوفمبر المقبل.

أكثر ما يلفت الانتباه بالخصوص هو توقيت المرسوم، كونه جاء مفاجئاً، وبشكل متزامن مع ضفيرة من الاضطرابات، حتى لا نقول الأزمات، اللايقينية المآلات، على معظم الصعد الإقليمية والدولية، الموصولة بقدر أو آخر بأوضاع هذا الشعب في الحال والاستقبال، فعلاوة على هذه البيئة المحيطة الضاغطة، التي لا تخفى أبعادها وتفاعلاتها على متابع.

والتي أضحي على الفلسطينيين تفكيك معادلاتها وإيجاد أنسب السبل للتعامل معها، والمرور من أحابيلها بأمان، ثمة من يعتقد بوجود اهتمامات وأولويات فلسطينية داخلية شديدة الإلحاح، كان ينبغي معالجتها قبل حرق المراحل، والانغماس في عملية انتخابية، جرى تأجيلها وتخطيها مطولاً، وليس من المضمون تمريرها هذه المرة أيضاً.

ومن ذلك بلا حصر إعلان دولة فلسطين طبقاً لقرار الأمم المتحدة 19/67 لعام 2012، وإنجاز دستورها، وتعيين الخط الفاصل والمسافة بينها وبين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينيتين، وإبداع قانون انتخابي يناسب لوجستية شعب هذه الدولة، المنتشر مناصفة تقريباً بين الأرض المحتلة منذ 1967 وبين أكثر من مئة دولة في طول العالم وعرضه!

هذا ومثله عطفاً أيضاً على أن الانتخابات التي يقصدها المرسوم الرئاسي الأخير لا تتعلق بتجربة المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي المنبثقة عن اتفاق أوسلو وتوابعه، التي لم تنعقد منذ عشرين عاماً بالتمام، وإنما تخص المجلس الوطني لمنظمة التحرير، أعلى هيئة تشريعية فلسطينية جامعة، الذي لم يأتلف بالاقتراع العام المباشر بالمطلق منذ نشأته عام 1964، ويفترض أنه سيتحول إلى برلمان الدولة الفلسطينية.

التمييز هنا بين انتخاب مجلس سلطة الحكم الذاتي، وبين انتخاب المجلس الوطني، البرلمان الفلسطيني أثار جدلاً، لا يعد مسألة شكلية.

هناك فروق جوهرية بين المؤسستين، منها التباين الكبير بينهما لجهتي الحيزين الجغرافي والسكاني المستهدفين بالمشاركة، وتوفر خبرات سابقة حول مجلس السلطة، الأمر المفتقد تماماً بالنسبة للمجلس الوطني.

والأهم من هذا وذاك الاختلاف الشاسع في الاستحقاقات والدلالات وردود الأفعال والعوائد «السياسية» الناجمة عن اجتراح كل منهما. هذا دون الاستطراد إلى العراقيل والصعوبات، التي نتوقع اضطلاع أطراف وقوى معنية، ليس للفلسطينيين سلطان عليهم، بإلقائها أمام عمليتي انتخابهما، وذلك لأهداف في طليعتها الحيلولة دون بلورة هيئة نيابية لدولة وطنية فلسطينية حدودها عام 1967 بالكامل.

الذين يأخذون هذه الملاحظات ونحوها بعين الاعتبار، لا يسهل عليهم الاستخفاف بآراء المرجفين، سراً أوعلانية، بحجم الشياطين الكامنة في التفصيلات، وتنتظر الانطلاق عند محاولة تفعيل المرسوم الرئاسي العتيد، التي ترقى إلى احتمال إحباطه كلياً.

وما يعزز هذه الأراجيف استحضار عوامل الفشل المرة تلو الأخرى في تنفيذ أكثر من مرسوم سابق بإجراء انتخابات مجلس السلطة، على مدار العقدين الماضيين، وأبرزها عدم توافق الفصائل الفلسطينية على شروط الترشح والمشاركة، والتصميم الإسرائيلي على استبعاد القدس والمقدسيين من هذه العملية.

السؤال الطبيعي والحال كذلك، هو ماذا عن وجود هذه العوامل من عدمها بين يدي تجربة انتخابية، لهيئة نيابية أوسع نطاقاً وأعمق تأثيراً على كل الصعد، يراد تطبيقها في نوفمبر المقبل؟!

ولأن قطاع غزة يمر رهناً بما نسمع ونرى من حراكات متعددة الأبعاد، تبدو مرتهنة بأطر واردات ومدارات ليست فلسطينية بحتة ؛ لا يعرف على وجه الدقة مستقرها ومستودعها، فلنا أن نضيف سؤالاً آخر، يبدو مفخخاً، يدور حول مواقف هذه الأطر والإرادات، وبخاصة الاسرائيلية منها، إزاء انخراط القطاع في العملية الانتخابية المأمولة ؟!

قناعتنا عموماً أن أبو مازن ليس بغافل عن هذه المعطيات، ولاسيما ما يخص منها نيات البعض المبيتة للإبحار بغزة بعيداً عن المصير الوطني العام، ولعله بمرسومه الانتخابي إنما أراد تذكير كل من يعنيهم الأمر بوحدة الكيانية الفلسطينية جغرافياً وسكانياً، ملتزماً في الوقت ذاته بحدود الشرعية الدولية، ولعله افترض أن هذه الرسالة ستؤتي أكلها نظرياً حتى وإن حيل بينها وبين تطبيقها.