تحظى الأسرة بمكانة محورية في مسيرة التنمية، فهي البيئة الأولى التي تتشكل فيها القيم، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، وتتكون من خلالها العلاقة الأولى بين الفرد ومجتمعه.

ومن هذا المنطلق، يأتي «عام الأسرة»، ليؤكد أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الداخل، من النواة الأولى، وهي الأسرة، ومن جودة العلاقات التي تجمع أفراده، بوصفها الأساس المتين لمجتمع متماسك ومستدام.

يمثل هذا التوجه فرصة لإعادة النظر في مفهوم المسؤولية المجتمعية، باعتبارها ممارسة يومية متكاملة، ضمن البيئة المؤسسية المليئة بالضغوطات والمتطلبات الهائلة على الأفراد والفرق، وتبدأ من الأسرة، وتمتد إلى السياسات العامة، وبيئات العمل، والمؤسسات التعليمية، والإعلام.

فالمسؤولية المجتمعية اليوم ترتبط بمدى قدرتنا على دعم الأسرة في مواجهة التحولات المتسارعة التي تفرضها أنماط الحياة الحديثة، وتعدد أدوار الوالدين، وتغير ديناميكيات الرعاية داخل الأسرة.

وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام بتعزيز الهوية لدى الأطفال، كأحد أهم مرتكزات الاستقرار الأسري.

فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحافظ على قيمها، وتمنحه شعوراً بالأمان والانتماء، يصبح أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه.

ويأتي تمكين الآباء، وتوضيح الأدوار التربوية داخل الأسرة، كخطوة أساسية لضمان توازن صحي بين متطلبات العمل والحياة الأسرية، وبناء علاقة واعية بين الطفل ومقدمي الرعاية المحيطين به.

ومن هذا المنطلق، تأتي المسؤولية المجتمعية بوصفها الإطار الجامع الذي يربط بين الأسرة والدولة والمجتمع.

فحين تتبنى الشركات الخاصة سياسات داعمة للتوازن بين الحياة الأسرية والمهنية، وتحرص المؤسسات على توفير بيئات عمل تراعي احتياجات الأسرة، فإنها تمارس مسؤوليتها المجتمعية في أسمى صورها.

وتتكامل هذه الجهود من خلال شراكات وطنية واسعة، تضم جهات حكومية معنية بشؤون الأسرة والموارد البشرية والتعليم والصحة، إلى جانب مؤسسات الطفولة المبكرة، ودور الحضانة، والجهات الصحية، ومقدمي الخدمات الاجتماعية.

كما يلعب أصحاب العمل دوراً محورياً عبر تبنّي سياسات صديقة للأسرة، وتوفر بيئات عمل مرنة ومستقرة، ضمن منظومة متكاملة، تعزز رفاه الأسرة واستدامتها.

كما تبرز قيمة الممارسات اليومية البسيطة داخل الأسرة، حيث يسهم تعزيز التواصل الإيجابي، وتخصيص وقت نوعي وكمي للتفاعل بين أفراد الأسرة، في بناء روابط إنسانية أكثر متانة.

وتلعب المؤسسات التعليمية، والجهات المعنية بالهوية الوطنية والثقافة، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، دوراً داعماً في ترسيخ هذه الثقافة، ونشر الوعي بأهمية التماسك الأسري، وتعزيز الانتماء الوطني لدى الأجيال الناشئة.

أما الفرد، فيبقى العنصر الأهم في منظومة المسؤولية المجتمعية، من خلال سلوكه اليومي، وخياراته، وطريقة إدارته لعلاقاته داخل الأسرة وخارجها.

بالقيم التي تُمارس داخل الأسرة، تنعكس مباشرة على المجتمع، وتشكّل أساساً لأفراد قادرين على العطاء والمشاركة الإيجابية.

فهل يمكننا أن نتصور تخصيص ساعات تطوع من قبل رواد الأعمال لأفراد من كبار المواطنين في الدولة؟ هل يمكننا تطوير سياسات في الشركات الخاصة، من شأنها دعم خيارات الفرد لتكون أكثر توجهاً لتمكين الأسر الإماراتية وأسر المقيمين في الدار؟ هل يمكننا تحفيز القطاع الخاص في تبنّي سياسات وممارسات من شأنها تعزيز أثرهم في التماسك الأسري والتلاحم الاجتماعي؟ جوابنا في مجرى – هو نعم، نستطيع، ونقوم بذلك في كافة مبادراتنا المعنية بالمسؤولية المجتمعية والاستدامة.

ومن هنا، يمثل «عام الأسرة» محطة وطنية لإعادة تأكيد أن الأسرة شريك أساسي في صناعة المستقبل، وأن المسؤولية المجتمعية حين تُمارس بشراكة حقيقية بين الجهات الحكومية، ومؤسسات ذات النفع العام، والقطاع الخاص، والقطاع الأكاديمي والمجتمع، تتحول من مفهوم نظري إلى ثقافة راسخة ومزدهرة.

وعندها، تصبح الأسرة نقطة الانطلاق الحقيقية لمجتمع أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة، وصناعة أجيال واثقة ومتجذرة في هويتها.