قبل سنوات، وتحديداً في عام 2019، شكّل الحضور اللافت للمكون «الروبوتي» في منتدى الإعلام العربي في دبي مفاجأة، وأيضاً صدمة. قراء نشرات روبوتات، ووكالات أنباء بدأت في الاعتماد على «آلات» لإنتاج أخبار وتحليلات اقتصادية دقيقة، كانت إشارات مبكرة لما نحن مقبلون عليه من تغلغل للتقنيات الرقمية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية.
تبدو فعاليات تلك الدورة، وكأنها كانت قبل عقدين أو ثلاثة. صدمة المشاركين وقتها، والأحاديث الجانبية حول مستقبل العمل الإعلامي، ومصير آلاف العاملين فيه من البشر، وتحول القضايا المثارة في الجلسات والندوات من منافسة التلفزيون للصحافة المكتوبة، ومن القنوات التلفزيونية الأرضية إلى الفضائية، ومن الفضائيات إلى السوشيال ميديا المهددة لعرشها، ومن السوشيال ميديا إلى المؤثرين، الذين سحبوا جزءاً من البساط من تحت أقدام الصحافيين والإعلاميين ملوك المهنة، جميعها تبدو «تاريخية».
التكنولوجيا الرقمية غيرت إدراكنا للوقت، وكذلك أعادت ترتيب مخاوفنا وآمالنا. تغلغلها في تفاصيلنا اليومية، والتحديثات الخوارزمية، ووصول التقنيات الحديثة إلى أعداد أكبر من البشر في مجالات مختلفة من الحصول على أخبار، إلى الترفيه والتعليم والإدارة، وكذلك الصحة وغيرها، غيرت الكثير، بما في ذلك هوامش الخوف والقلق، والتطلعات للفوائد والمكاسب.
يمكن القول إن مناعة ما تم بناؤه في ما يتعلق بشعور الهلع الذي كان يتملكنا من سطوة التكنولوجيا، والمخاوف ما زالت موجودة، وهي منطقية وطبيعية، ووجودها صحي. وخطوات التنظيم التي تتخذها دول عدة حالياً، وعلى رأسها أستراليا، لمنع من هم دون سن الـ 16 عاماً من استخدم منصات السوشيال ميديا، خير مثال. وستتبعها خطوات أخرى على الأرجح في مجالات مختلفة، تتعلق باستخدامنا لأدوات العصر الرقمي، واستخدام هذه الأدوات لنا!
بمعنى آخر، تزحزحت مخاوف الأمس المتمثلة في فقدان وظائف، وتفتت العلاقات الاجتماعية، والتنمر والعنف الرقميين وغيرها قليلاً، لتفسح مجالاً آخذاً في التوسع لوضع منافع وفوائد التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي في حيز التفكير والتفعيل.
متابعة تجربة الشاب الأمريكي نولاند أربو، المصاب بالشلل الرباعي، وهو يتحدث عن الآفاق التي تفتحها الشريحة الدماغية المزروعة في رأسه، تسلط ضوءاً إضافياً على نضجنا في التعامل مع العصر التقني. تحدث أربو عن تجربته في فقدان الإحساس بالكامل أسفل الكتفين، وذلك عقب حادث غوص، وكيف أن الشريحة الدماغية ساعدته على العودة إلى الحياة.
صحيح أنه على الأرجح لن يعود للمشي والغوص مرة أخرى، ولكن التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي التي كنا ننظر إليها حتى الأمس القريب، باعتبارها مصادر تهديد ومخاطر فقط، يمكنها أن تعيد الإنسان للحياة بمعناها الأوسع والأشمل.
أربو تحدث أمام حضور «القمة العالمية للحكومات»، عن فضل الشريحة في استعادته جزءاً لا بأس به من استقلاليته. مجرد فتح خيارات العودة إلى الدراسة، أو العثور على فرصة عمل، أو الاعتماد على نفسه لفترات أطول، أو التفاعل مع من وما حوله أمور عظيمة. إنها تمنح فرصة حياة جديدة لملايين من البشر وأسرهم.
من ابتكر الشريحة الدماغية؟ ومن يعمل على تطويرها؟ ومن يخضعها للدراسة والمراقبة والتقييم؟ ومن يموّل كل ما سبق؟ إنهم بشر. وهذا يعني أن الإنسان يظل محور العصر الرقمي والتقني والذكاء الاصطناعي. توجد مخاطر؟ نعم. وتتولد مخاوف من خروج التقنيات عن السيطرة؟ نعم، لكن يظل الإنسان هو نقطة البداية والانطلاق.
يبتكر، يحسّن، يطور، ينظم، يقنن. يقرر متى يضغط على البنزين، ومتى يزود السرعة أو يقللها، ومتى يضغط على الفرامل. أما أن يتوقف عن تصنيع السيارات، وقيادتها، والاستفادة منها لأنها تتسبب في مشكلات أحياناً، فهذا أمر غير مقبول.
إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا المعلومات، وغيرهما من مبتكرات وأدوات العصر، هو الإجراء الطبيعي والتصرف المنطقي. وتظل فكرة إيقاف الذكاء الاصطناعي والتطور الرقمي محل نقاش وجدال. وأحياناً، تظهر أصوات محذرة من داخل القطاع نفسه، وهو ما يثير الذعر، ولكن سنّة الحياة تفرض نفسها عبر حسابات المكسب والخسارة.
ومنح أشخاص مثل نولاند أربو فرصة حياة، تستحق إدارة المخاطر، لا إغلاق الأبواب.