ثمة قلق وجودي عميق يتسلل إلينا حين نتوقف عن الإنجاز، ليس خوفاً من الفشل، بل من سؤال أكثر رعباً، هل نحن موجودون حقاً حين لا ننتج؟ وهل لوجودنا قيمة خارج إطار الأداء؟ وتراودنا هذه التساؤلات المُلحة في عالم صارت فيه الإنتاجية ديناً جديداً، وبتنا نعيش فيه غربة من نوع مختلف.
ولعل ما أثار كل هذه الإشكاليات الأثر العميق الذي تُحدثه في نفسي رواية «المسخ» لكافكا كلما أعدت قراءتها، تلك القصة الغريبة التي تَحول فيها رجل إلى حشرة حين فقد قدرته على الإنتاج..!
غريغور سامسا، بطل الرواية، لم يكن إنساناً في نظر من حوله، بل كان آلة أو أي شي آخر، وحين فقد قدرته على الأداء فقد قيمته.
هذه ليست مجرد رواية سريالية، بل واقع نعيشه اليوم في مجتمعات تحولت فيها الإنتاجية من وسيلة إلى غاية، ومن أداة للعيش إلى معنى للوجود، لقد صرنا نقيس قيمة الإنسان بما ينتجه، لا بما هو عليه، وصار أول سؤال نطرحه على من نلتقيه «ماذا تعمل؟»، وكأن الوظيفة هي الهوية، والإنجاز هو البرهان على الوجود، ولم يعد السؤال «من أنت؟» ذا معنى..!
هذا التحوّل لم يحدث فجأة، بل تسلل إلى حياتنا تدريجياً عبر عقود من إعادة تشكيل الوعي الجماعي، بدأ بالرأسمالية التي حوّلت الوقت إلى سلعة تُباع وتُشترى، ثم تعمق مع ثقافة «الهوس بالإنتاجية» التي صارت تُقدم لنا كنمط حياة مثالي، وطريق وحيد للنجاح والسعادة، إذ صار الانشغال وسام شرف، والفراغ عيباً يجب إخفاؤه، «أنا مشغول جداً» صارت الجملة التي نرددها بفخر، وكأننا نبرر وجودنا بكثرة مهامنا، نملأ تقاويمنا بالمواعيد، ونقيس نجاحنا بعدد الإنجازات، ونشعر بالذنب حين نستريح، فالراحة لم تعد حقاً إنسانياً، بل صارت رفاهية لا يستحقها إلا من أنجز، وكأن الاستراحة يجب أن تُكتسب بالعمل وحده..!
الأخطر من ذلك أن هذه المنظومة لم تعد تُفرض علينا من الخارج فقط، بل صرنا نستبطنها ونفرضها على أنفسنا بقسوة أشد، إذ تحوّلت الإنتاجية من معيار خارجي إلى رقيب داخلي لا ينام، حتى صار السؤال «ماذا أنجزت اليوم؟» طقساً يومياً نحاسب به أنفسنا، وكأن اليوم الذي لا ننتج فيه ضائع من أعمارنا.
هذا الهوس بالإنتاجية لم يجعلنا أكثر سعادة، بل حوّلنا إلى كائنات منهكة نفسياً وجسدياً، فعندما اعترفت منظمة الصحة العالمية رسمياً بـ«الاحتراق الوظيفي» كظاهرة مهنية تتطلب تدخلاً طبياً عام 2019، لم تكن ترصد أعراضاً مرضية فحسب، بل حالة أعمق من الشعور الجمعي بعدم الكفاية التي يشعر بها جيل كامل يستعر في دائرة الإنتاجية!
المفارقة التي يضعنا كافكا أمامها قاسية بقدر ما هي كاشفة، فغريغور سامسا حين فقد قدرته على الإنتاج، لم يفقد إنسانيته، بل تحرّر منها لأول مرة، تحرر من الواجب والتوقعات ومن الضغط اليومي ليكون نافعاً ومجدياً، وقابلاً للاستهلاك، وللمرة الأولى صار موجوداً بلا وظيفة أو أداء، وهذا تحديداً ما لم يحتمله العالم من حوله.
هنا تكمن القسوة الحقيقية، أن المجتمع لا يقصي من يفقد شكله، بل من يفقد جدواه أو من يقرر أن يعيش بوتيرة أبطأ، وهكذا تكشف رواية «المسخ» عن حقيقة أكثر إزعاجاً مفادها أن القبول الاجتماعي قد يكون مشروطاً بالقدرة على العطاء المستمر، وأن التوقف عن الأداء- مهما كانت أسبابه - يُعد خروجاً صامتاً من دائرة الاعتراف!
وباعتقادي أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان، هو أن يعتاد تبرير وجوده، وأن يشعر ولو بصمت بأن عليه أن يكون نافعاً ليُقبَل، ومُنهكاً ليُؤخذ على محمل الجد، وعند هذه النقطة بالذات، لا تُمسّ الكفاءة ولا الطموح، بل تُمسّ الإنسانية نفسها.
ذلك الخيط اللامرئي الذي يفصل بين أن تكون إنساناً، وأن تتحول إلى نسخة مصقولة تؤدي دورها بإتقان وتفقد معناها ببطء، وحين يصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة للاعتراف، يختفي الإنسان خلف أدائه، ولعل أكثر ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من التحفيز، بل شجاعة إعادة تعريف القيمة، قبل أن نتحول جميعاً إلى نسخ متعبة من غريغور سامسا... نعمل كثيراً، ونُستبدل بسهولة..!