النظام الدولي مر بتغيرات هيكلية مرات ومرات؛ قامت إمبراطوريات متعددة، وانهارت أخرى على مدى قرون. إنها سُنة الله في خلقه. وكما ورد في الحديث الشريف: «حقٌّ على الله ألا يرتفع شيءٌ من الدنيا إلا وضعَه».

ولكن ما نرى من إرهاصات اليوم هو ليس تغير النظام الدولي، بل تمزقه. هذا ما قاله رئيس وزراء كندا مارك كارني عن المشهد العالمي اليوم. وقد ذكر رئيس الوزراء المفوّه أن العالم كان يعيش في أكذوبة اسمها النظام العالمي المرتكز على قواعد من القوانين والأعراف الدولية.

وأردف قائلاً: «كنا نعلم أن النظام العالمي القائم على القواعد كان جزئياً زائفاً، وأن الأقوياء استثنوا أنفسهم متى ما ناسبهم، وأن قواعد التجارة طبقت بشكل غير متماثل. كما أن القوانين الدولية طبقت بصرامة متفاوتة، حسب هوية المتهم أو الضحية».

ولم يفت كارني أن يذكّر أن العالم قَبل الأكذوبة لأن هناك فوائد جنيت من الهيمنة الأمريكية التي قدمت كثيراً من المنافع العامة الدولية التي أمّنت طرق الملاحة وخلقت نظاماً مالياً عالمياً مستقراً، وأسست للأمن الجماعي الذي وفر الحماية والازدهار لكثير من الدول.

لكن العالم الذي عرفناه سابقاً بدأ يتمزق، فالولايات المتحدة تحت قيادة ترامب، كما أوضحت استراتيجية الأمن القومي التي نشرت في 4 ديسمبر الفائت، تهدف إلى تغيير غايات السياسة الخارجية والأمنية، وتروم تطويع هذه السياسات لخدمة أمريكا أولاً، وأن واشنطن لن تدفع ولن تقدم منافع عامة للنظام الدولي، بل إن على الحلفاء تحمل كلفة إدارة العالم.

كما أن الولايات المتحدة لن تنخرط في حروب تستنزفها كما حصل في السابق، في إشارة غير خفية إلى حرب العراق. وفي الوقت نفسه تؤكد الاستراتيجية منع أي قوة من السيطرة على منطقة الشرق الوسط ومصادر الطاقة والمضايق دون الانخراط في الحروب الأبدية في تلك المنطقة. كما تتعهد الوثيقة بحماية الممرات المائية في منطقة الإندو-باسيفيك، وتأمين سلاسل الإمداد.

كيف سيتم ذلك من دون الانخراط في عمليات عسكرية؟ مسألة غير واضحة. كما أن تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، رغم التظاهر بالعزوف عن النزاعات المسلحة، لغز يحتاج إلى تفسير.

وقد أتت استراتيجية الدفاع القومي التي صدرت في 23 يناير 2026 لتأكيد تفرد الولايات المتحدة وتسخير قوتها العسكرية المهولة لخدمة مصالحها، لا لخدمة قضايا بناء الأمم، وتغيير الأنظمة والتدخلات. وجاء في هذه الوثيقة المهمة التي أعلنت أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تتحرك في كل مكان، ولا أن تعوض عن قصور الحلفاء، والخيارات غير المسؤولة التي اتخذوها.

وركزت الوثيقة أيضاً على الجزء الغربي للعالم، حيث الأمريكتان. وأفادت الوثيقة بضرورة أن تهتم الولايات المتحدة بمحيطها الغربي، وأن تؤمّن الدول الموجودة ضد القوى الإرهابية ومهربي المخدرات، وألا تسمح لأي قوة خارجية أن تتمدد في المنطقة أو تتملك أصولاً مهمة.

وتتحسر الوثيقة على سياسات الإدارات السابقة التي ضحّت بمصالح الولايات المتحدة في مغامرات بددت موارد أمريكا المادية والمعنوية في سبيل بناء قصور من الرمال للنظام الدولي القائم على القواعد. المرحلة تشي بتغير هيكلي في النظام الدولي، حيث لم يعد الغرب بالمفهوم الجيوسياسي كتلة واحدة. هل ستؤدي هذه التطورات إلى نهاية أهم حلف عسكري-سياسي المتمثل بالناتو؟ أم أن بديلاً آخر في التطور؟

يقول المفكر الإيطالي الكبير أنطونيو غرامشي: «العالم القديم يموت، والعالم الجديد يكافح من أجل أن يولد؛ إنه وقت الوحوش».