في لحظةٍ اختارت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة أن تتحدث عن الأخوّة باعتبارها رصيداً تاريخياً وموقفاً أخلاقياً، جاءت دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في 21 شهر نوفمبر من العام الماضي، إلى الاحتفاء بدولة الكويت الشقيقة، لتعيد التذكير بحقيقة راسخة، مفادها أن العلاقات بين الإمارات والكويت لم تكن يوماً علاقات مصالح عابرة، ولكنها علاقة قربى، وسند، ومصير مشترك، صاغته المواقف قبل أن توثّقه الاتفاقيات.

لم تكن كلمات سموه، وهو يدعو مجتمع الإمارات ومؤسساتها إلى الاحتفاء بالأخوّة الإماراتية الكويتية، مجاملة دبلوماسية، ولا رسالة ظرفية، ولكنها استدعاء لذاكرة مشتركة، وتأكيد أن ما يجمع الإمارات والكويت أعمق من السياسة، وأرسخ من التحالفات المرحلية.

فالكويت، كما أكد صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، كانت السند قبل الاتحاد وبعده، واليد التي امتدت بالعطاء والمساندة في مراحل التأسيس الأولى، حين كانت الإمارات تشق طريقها نحو المستقبل، وكانت بحاجة إلى من يؤمن بالمشروع ويسانده.

دعوة سموه لمجتمع الإمارات ومؤسساتها للاحتفاء بالكويت وقيادتها وشعبها تحمل دلالات متعددة، في مقدمتها أن الوفاء في فكر القيادة الإماراتية ليس قيمة نظرية، بل ممارسة عملية، وأن الاعتراف بالمواقف الصادقة واجب أخلاقي قبل أن يكون سلوكاً سياسياً.

فالاحتفاء بالكويت ليس مجرد مناسبة احتفالية موسمية، ولكنه رسالة عرفان وتقدير ووفاء لدولة لم تتردد يوماً في الوقوف إلى جانب أشقائها، ولم تبخل بالدعم حين كان الدعم قيمةً لا تُنسى.

تكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية في سياقٍ إقليمي ودولي مضطرب، حيث تتراجع أحياناً قيمة الثوابت، وتُختبر العلاقات تحت ضغط المصالح المتغيرة.

هنا، يختار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، أن يؤكد أن علاقة الإمارات بالكويت ثابتة، لا تهزها المتغيرات، ولا تضعفها المسافات، لأنها قائمة على الاحترام المتبادل، وعلى الثقة، وعلى الذاكرة المشتركة والتجربة الخالصة التي أثبتت أن المصير واحد مهما اختلفت التفاصيل.

لقد عرفت الإمارات والكويت بعضهما في زمن الشدة قبل الرخاء، وفي مراحل البناء الأولى قبل اكتمال المنجز. وتاريخ العلاقة بين البلدين مليء بالمواقف الإنسانية والسياسية التي تؤكد أن الأخوّة ليست مجرد تعبير لغوي، ولكنها سلوك متبادل. فمن دعم الكويت في مراحل التأسيس، إلى وقوف الإمارات إلى جانب الكويت في محطات مفصلية، ظل خيط التضامن حاضراً، يتجدد مع كل جيل، ويتعزز مع كل موقف.

دعوة الاحتفاء، في هذا السياق، هي أيضاً رسالة إلى الأجيال الجديدة، بأن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بما يحدث اليوم، ولكن بما تراكم عبر العقود من ثقة ومحبة ومواقف نبيلة. وهي تذكير بأن دول الخليج، رغم اختلاف تجاربها ومساراتها التنموية، يجمعها نسيج اجتماعي وثقافي وإنساني واحد، وأن الحفاظ على هذا النسيج مسؤولية جماعية، تبدأ من القيادة وتمتد إلى المجتمع.

هذه الدعوة تعكس رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، للعلاقات الخارجية بوصفها امتداداً للقيم، لا انفصالاً عنها. فحين يقول سموه إن الاحتفاء بالكويت وقيادتها وشعبها واجبٌ علينا، فهو يرسّخ مفهوم الدولة الوفية، التي لا تنسى من وقف معها، ولا تتعامل مع الإخوَة بمنطق المنفعة المؤقتة، ولكن بمنطق العشرة والتاريخ والمواقف الصادقة.

وعندما تتوالى الأحداث، وتُختزل العلاقات في بيانات رسمية، تأتي هذه الدعوة لتعيد الاعتبار للبعد الإنساني في السياسة، وللغة الود في العلاقات بين الدول. فهي دعوة للاحتفاء بدولة شقيقة، نعم، لكنها في العمق دعوة للاحتفاء بقيم الأخوّة، وبالمعنى الحقيقي للتضامن، وبفكرة أن الدول، مثل الأفراد، تُعرف بمواقفها الثابتة.

الكويت في ذاكرة أبناء الإمارات تفاصيل كثيرة يضيق المجال عن ذكرها، وحين لبى أبناء الإمارات دعوة صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، إلى الاحتفاء بعقودٍ من الأخوّة الإماراتية الكويتية، وحولوا هذه الدعوة إلى مهرجان وفاء، فعلوا هذا بصدق، وعبروا عن الحب الذي تحمله قلوبهم لهذا البلد الشقيق، وهذا الشعب العريق.

حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها، وأدام عزها ومجدها، وحفظ للإمارات قيادتها التي تتحدث بلغة الوفاء وتجسّده، لأن بعض العلاقات لا تحتاج إلى تفسير، بل إلى تذكيرٍ صادق، يأتي في وقته، ويصل إلى القلوب، وتتجاوب معه الشعوب.