بعيداً عن الأقطاب الكهربائية، والأدوية، وأدوات التأثير المباشر على الدماغ، ظهرت ساحة صراع أكثر هدوءاً وأشد فاعلية: الحرب المعرفية. وهي نمط حديث من النزاعات لا يعتمد على السلاح التقليدي، بل على التلاعب بالمعلومات، وإدارة السرديات، واستغلال الخوارزميات، والتحليل النفسي العميق للسلوك الرقمي للأفراد والمجتمعات.

في هذا النوع من الحروب، لا يُستهدف الجسد، ولا تُنتهك الحدود الجغرافية، بل يُستهدف الوعي الجمعي. تتغير القناعات ببطء، وتُعاد صياغة الأولويات، وتُزرع الشكوك أو المخاوف، دون أن يشعر الفرد بأنه يتعرض لهجوم منظم. ما يحدث يبدو وكأنه رأي شخصي، أو نقاش عام، أو تفاعل طبيعي مع محتوى يومي، بينما هو في جوهره نتيجة هندسة معرفية دقيقة.

تعتمد الحرب المعرفية على أدوات متعددة: الأخبار المضللة، الحسابات الوهمية، الذكاء الاصطناعي التوليدي، تحليل البيانات الضخمة، واستهداف الفئات النفسية الأكثر قابلية للتأثر. كل ذلك يُستخدم لتوجيه الانتباه، أو تشتيته، أو خلق استقطاب اجتماعي، أو إضعاف الثقة بالمؤسسات، أو حتى إعادة تعريف مفاهيم الهوية والانتماء.

ما يجعل هذه الساحة بالغة الخطورة هو أنها: لا تحتاج إلى تقنيات طبية أو بنى عسكرية معقدة، ويصعب إثباتها قانونياً أو توثيقها كعمل عدائي مباشر، وتعمل في زمن السلم والحرب معاً، وبوتيرة مستمرة.

كما أن ضحاياها لا يدركون غالباً أنهم ضحايا. فلا توجد أعراض جسدية، ولا آثار فورية، بل تغير تدريجي في طريقة التفكير، واتخاذ القرار، وتفسير الواقع.

هنا يتحول الأمن من مفهومه التقليدي إلى مفهوم أوسع: الأمن المعرفي، فحماية العقول لم تعد مسألة ثقافية أو تعليمية فقط، بل أصبحت شأناً سيادياً يتطلب وعياً إعلامياً، وتشريعات رقمية، وبناء ثقة معرفية بين الفرد ومصادر المعلومات.

وفي هذا السياق يبرز السؤال الجوهري: هل نحن بحاجة إلى حماية عقولنا ووعينا الجمعي، بقدر حاجتنا إلى حماية حدودنا الجغرافية؟ رأيي أن المعركة الحقيقية قد بدأت فعلاً ومنذ أمد غير قريب، دون أن نستعد لها أو يكون لدينا أدوات لصدها.