عندما لا يكون هناك أمل في العلاج، لا يعود السؤال: كيف نُنقذ؟ بل يصبح: كيف نُخفف؟ وكيف نحمي ما تبقى من الإنسان؟ أن تتركه هنا، قريباً من أهله، من غرفته، من أصوات يعرفها، أو أن تأخذه بعيداً، بحثاً عن احتمالٍ ضئيل، وأنت تعلم أن النهاية ـ إن جاءت ـ ستكون في مكانٍ غريب، وبوجوهٍ لا يعرفها.

هذا ليس قراراً طبياً. هذا قرار وداع. ولا يوجد في العالم بروتوكول يُعلمك كيف تتخذ هذا القرار.

ماذا تقول حين لا يجب أن تقول شيئاً؟

في الإدارة، اعتدنا أن نُجيب. أن نُفسر. أن نُطمئن. لكن أمام أحد الآباء، شعرت أن أي إجابة جاهزة ستكون قسوةً إضافية.

قلت له بهدوءٍ لا يطلب تصديقاً: «لو كنت مكانك، كنت هفكر في ابني، مش في المكان. في راحته، وفي قربه من أهله، وفي إنه ما يكونش لوحده في آخر أيامه».

لم أقل له ماذا يفعل. لكنني وقفت معه في لحظةٍ لا يُحتمل الوقوف فيها وحدك.

ما تعلمته من هذه اللحظة:

تعلمت أن القيادة الصحية لا تُختبر في حالات النجاح، بل في لحظات الفشل الحتمي، وتعلمت أن أعقد القرارات ليست تلك التي نختار فيها بين علاجين، بل تلك التي نختار فيها بين الأمل الكاذب والرحمة الصادقة.

وتعلمت أن قول الحقيقة ـ حين لا تُغير المصير ـ قد يكون أقسى من الصمت، لكن الرحمة ـ حين تُخفّف الألم ـ هي أصدق أشكال الشجاعة.

كلمة أخيرة

خرج الأب، ولا أعرف ماذا اختار، لكنني أعرف أنني بعد تلك اللحظة لم أعد أتعامل مع المرض كما كنت.

ومنذ ذلك اليوم، كلما واجهت حالة متأخرة، أسأل نفسي قبل أي قرار: هل نحن نُحارب المرض... أم نُنسِي الإنسان؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إدارةٍ صحية وقيادة إنسانية.