هل تملك أوروبا أوراقاً مؤثرة تواجه بها خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهميشها وإضعافها؟

تحدثنا الأسبوع الماضي حول الخلافات الكبرى غير المعتادة بين الحليفين الكبيرين أمريكا وأوروبا، وقلنا إنها لم تصل إلى مرحلة الانفصال أو الطلاق البائن، لكنها تشهد توترات وانعطافات حادة تنذر بتطورات دراماتيكية تؤثر على العالم أجمع.

ليس خافياً على أحد الأوراق الأمريكية الكثيرة في مواجهة أوروبا، وفى مقدمتها ورقة الحماية الأمنية. فحلف الناتو الذي تم تأسيسه في 4 أبريل 1949، هو الذي حمى أوروبا من الخطر السوفيتي الذي انتهى بتفككه عام 1991.

الناتو استمر في حماية أوروبا حتى الآن من التهديدات الروسية خصوصاً بعد غزو أوكرانيا عام 2022، وكذلك من الصعود الصيني المتنامي عسكرياً واقتصادياً. أمريكا هي الممول الأكبر لحلف الناتو فميزانيتها العسكرية تبلغ نحو تريليون دولار سنوياً مقارنة بـ409 مليارات دولار فقط لبقية دول الحلف مجتمعة، أي أن واشنطن تنفق بمفردها ضعفي ما تنفقه كل دول الحلف، وهو ما يجعل ترامب يقول دائماً إن الحلف هو أمريكا، وبدونه ما حققت أوروبا شيئاً لأنه ضمن لها الحماية الأمنية، الأمر الذي جعلها تخصص معظم دخلها القومي لصالح اقتصادها، وبالتالي من وجهة نظر ترامب فقد آن الأوان لكي تسدد أوروبا جزءاً مما أنفقته أمريكا، وتزيد من مساهمتها في ميزانية الحلف لتصل إلى 5 % من ناتجها المحلي الإجمالي.

هذه هي الورقة الأمريكية الرئيسية، لأن أي زيادة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي تعني مزيداً من المعاناة الاقتصادية لمواطنيها، وتجعلها رهينة للولايات المتحدة، خصوصاً أن الأخيرة صارت أحد كبار موردي الطاقة إلى القارة الأوروبية التي كانت تعتمد على الطاقة الروسية بصورة شبه كاملة حتى غزو أوكرانيا، وبعدها تحولت مجبرة إلى الاعتماد على الطاقة الأمريكية وغيرها بعد التفجير المشبوه لخط نورد ستريم الذي ينقل الغاز الروسي إلى القارة.

نعود للإجابة عن السؤال الجوهري المتعلق بأوراق أوروبا في مواجهة أي تهديدات أمريكية.

الورقة الأولى اقتصادياً فأوروبا هي أكبر سوق استهلاكي موحد في العالم بنحو 440 مليون مستهلك، وبالتالي فأي قيود أو رسوم جمركية أوروبية يمكن أن تضر الشركات الأمريكية الكبرى. ونتذكر أن أوروبا ردت على رسوم ترامب على الصلب والألومنيوم بفرض رسوم على المشروبات الروحية، والجينز.

الورقة الثانية تجارية ومالية، فاليورو ثاني أهم عملة عالمية وتستطيع أوروبا تقليص الاعتماد على الدولار، ودعم أنظمة دفع بديلة، وتقوية تجارتها بالعملات المحلية مع شركاء أجانب آخرين خصوصاً الصين والخليج، ومصر والبرازيل وجنوب أفريقيا. وهذه الورقة يمكن أن تسبب إزعاجاً كبيراً لأمريكا.

الورقة الثالثة تتعلق بخلق شراكات أوروبية بديلة مع الصين والهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وقد رأينا مؤخراً توقيع اتفاقية تجارة حرة مع دول الميركسور في أمريكا اللاتينية، وقبل أيام قليلة اتفاقية أخرى غير مسبوقة مع الهند أطلق عليها «أم الصفقات» وفي حالة قررت أوروبا توسيع تجارتها مع الصين والهند، فإن ذلك سيمثل ضربة استراتيجية ضخمة للولايات المتحدة.

الورقة الرابعة هي القوة التنظيمية، فأوروبا لديها ميزة نسبية في قوانين الخصوصية والمنافسة والغرامات على عمالقة التكنولوجيا وكذلك تشريعات الذكاء الاصطناعي، وتخشى العديد من الشركات الأمريكية الكبرى خصوصاً في مجال التكنولوجيا من أي توجهات أوروبية معادية. كما أن أوروبا تنحاز أكثر إلى القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف والاتفاقيات البيئية والحقوقية، وكل ذلك يكرهه ترامب بصورة كبيرة.

الورقة الخامسة ذات طبيعة استراتيجية وتخص الشراكة الدفاعية، فرغم أن حلف الناتو يمثل فائدة كبيرة لأوروبا، وبالتالي يريد ترامب من أوروبا دفع المزيد في الميزانية وشراء المزيد من السلاح الأمريكي، إلا أن أوروبا في المقابل تستطيع التلويح بتعزيز الدفاع العسكري وتقليل الاعتماد على أمريكا عسكرياً، وصار مجرد الحديث عن «جيش أوروبي مستقل» يمثل كابوساً لأمريكا، كما أن إلغاء القواعد الأمريكية في أوروبا، سيجعل من بسط النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وأفريقيا صعباً للغاية.

وهناك قضايا متعددة لا تستطيع أمريكا حلها بمفردها مثل تلك المتعلقة بأوكرانيا وإيران والصين والشرق الأوسط وتغير المناخ، وأي انسحاب أوروبي من هذه القضايا سيجعل الكلفة أكبر على أمريكا.

لكن في المقابل، فإن أكبر نقطة ضعف أوروبية هي الانقسام الداخلي، فشرق أوروبا أقرب لأمريكا وكذلك بريطانيا، في حين أن فرنسا تميل للاستقلال، وألمانيا مترددة، وبالتالي فإن غياب رؤية وإرادة أوروبية موحدة سلاح قوي في يد أمريكا، ويجيد ترامب استغلاله بقوة ويفاوض كل دولة على حدة.

مرة أخرى، أوروبا تملك العديد من أوراق الضغط، لكن مشكلتها الكبرى هي غياب الإرادة الموحدة، حيث نجحت أمريكا على مدار سنوات في سياسة «فرق تسد».

الخلافات حتى الآن لم تصل إلى حد الانفصال، لكن منطق ترامب يجعل الصدام آتياً لا محالة، إلا إذا حدثت معجزة، في زمن قلت فيه المعجزات.