في أواخر التسعينيات وبداية الألفية ازدهرت تجارة مقاهي الإنترنت بشكل واسع.
لم يكن الإنترنت متاحاً للجميع حينها، ولم يكن عالم الهواتف الذكية قد ولد بعد، لذلك وفرت بعض المقاهي أجهزة حاسوب متصلة بالإنترنت مقابل الأجر بالساعة.
أصبحت تلك المقاهي مكاناً للتواصل الاجتماعي والترفيه خصوصاً للشباب.
أذكر خلال أسفارنا الصيفية كنت أزور مقاهي مختلفة، لكل منها الطابع الخاص، والأجوء المميزة المليئة بالحماس.
كانت تجارة مقاهي الإنترنت رابحة في ذلك الوقت، بسبب ندرة الإنترنت، وغلاء الحواسيب المنزلية.
مع ظهور الهواتف الذكية، وتسلل الإنترنت إلى البيوت بشكل أوسع، وتوفر الأجهزة، وانخفاض أسعارها، بدأ الحضور للمقاهي يتراجع، وبدأت بالاختفاء تدريجياً، خصوصاً في العقد الثاني من الألفية الثالثة، بالرغم من استمرارها في بعض المناطق البعيدة من المدن الرئيسية أو الأقل تطوراً لسنوات إضافية.
المتأمل لتجارة مقاهي السايبر سيدرك أن ظهورها واختفاءها يعتمد على سوق العرض والطلب.
عندما ازداد الطلب على الإنترنت، وكان توفره محصوراً، ازدهرت المقاهي، وشجع ذلك على توفرها في كل مكان، وعلى العكس عندما توفر الإنترنت قل الطلب على المقاهي، وأدى إلى اختفائها تدريجياً.
أظن إذا سألنا جيل ألفا، والذي ولد بعد عام 2000 لن يستوعب أهمية تلك المقاهي مقارنة بالأجيال السابقة، لأنه جيل ولد في عصر توفر التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي على معصمه، ففكرة الذهاب لمقهى من أجل استخدام الإنترنت قد تبدو غير منطقية.
لسنا هنا للمقارنة بين الأجيال، وإنما للتمعن في فكرة ازدهار تجارة في زمن ما، واختفائها في زمن آخر، وكأنها لم تكن.
الدرس المستفاد أن نجاحنا في فترة ما لا يعنى ازدهارنا في الفترات اللاحقة، حيث علينا تجديد نجاحنا بشكل مستمر، للتوافق مع الحاجة والطلب، والأهم من ذلك تغليفه بالإبداع والابتكار.
ماذا لو أدركنا أهمية إعادة تشكيل النجاح في عصر سريع التغيير؟ ماذا لو فهمنا أن نماذج الاقتصاد المرتبطة بالتكنولوجيا بحاجة إلى مراجعة دورية وسريعة إذا أردنا تجارة رابحة ومستمرة؟