بعيداً عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثر بعداً عما يكتب من مقالات أو تغريدات بعيدة كل البعد عن التحليل السياسي المنهجي الرزين، مقالات يغلب عليها الهوى أو الأيديولوجيا أو الأمنيات، نحن نعيش في مرحلة تكثر فيها الأسئلة، وتتعقد فيها مصالح الدول، ولفهمها لا بد من قراءة المشهد وتحليله بعقل وفهم وأمانة.

لمن يريد فهم أبعاد زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى روسيا بوصفها حدثاً لا يمكن قراءته بسطحية، ولا من خلال العلاقات الثنائية بين البلدين فقط.

لذا يجب علينا أن نقرأ قراءة استراتيجية عميقة من خلال فهمنا للتحولات في النظام الإقليمي والدولي، لم تكن الزيارة مجرد محطة بروتوكولية ضمن زيارات رئيس الدولة، وليست مجرد زيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية فقط.

الزيارة تجسد الرؤية والوعي والفلسفة الإماراتية في فهم وإدارة العلاقات الدولية التي تقوم على التوازن، وعلى قراءة المشهد واستباق التطورات والتحولات، بالإضافة إلى العمل على بناء جسور التواصل مع مختلف مراكز القوة الإقليمية والدولية، خاصة في عالم يتشكل بوتيرة متسارعة جداً.

العلاقات الدولية في المفهوم السياسي الإماراتي ليست ساحة صراع، بل مساحة لإدارة وتحقيق المصالح عبر الحوار الإيجابي والتفاهم المتبادل والتعاون ومشاركة الرؤى، أي أن السياسة الخارجية الإماراتية تنطلق من رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستقرار العالمي والأمن الدولي لا يمكن أن يتحققا من خلال الإقصاء أو الاستقطاب الحاد، بل يتحققان من خلال العلاقات القائمة على التعاون والاحترام المتبادل.

من ناحية البعد السياسي للزيارة، أرى أنها رسالة واضحة وصريحة تحمل في محتواها أن دولة الإمارات لها سياستها الخارجية المستقلة حسب رؤيتها ومصالحها وقراءتها للمشهد الدولي.

كما أن العلاقات الإماراتية الروسية المتميزة تثبت أن دولة الإمارات لديها القدرة والمهارة على التواصل مع مختلف القوى الكبرى من دون الوقوع في فخ الاصطفافات، كما يمكن قراءتها في سياق استراتيجية تسعى إلى تعزيز موقع دولة الإمارات كقوة توازن إقليمية قادرة على القيام بأدوار تتجاوز حدودها الجغرافية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فالزيارة تعكس إدراك القيادة الإماراتية لأهمية روسيا في معادلات الأمن والطاقة العالميتين، فلا يمكن اعتبار روسيا مجرد دولة كبرى، بل هي دولة رئيسية وفاعلة في أسواق الطاقة، ومؤثرة كذلك في الملفات الأمنية، لذا فإن تعزيز العلاقة والشراكة مع روسيا يعزز من الدور والتأثير الإماراتي في السياسة الدولية.

أما البعد الاقتصادي، فيحمل الكثير من الدلالات، فالعلاقات الاقتصادية الإماراتية الروسية شهدت تطوراً ونمواً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، في معظم المجالات الاقتصادية والاستثمارية، لكن علينا ألا ننظر إلى التعاون الاقتصادي بمعزل عن السياق الجيوسياسي، بل يمكننا اعتباره أداة تعزز الاستقرار وتسهم في بناء وتحقيق المصالح المشتركة.

ومن الناحية الدبلوماسية، فدولة الإمارات أثبتت قدرتها الدبلوماسية من خلال أدوار الوساطة وحل وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين أو المتحاربين في الكثير من القضايا الدولية كما حدث لحل الأزمة الإثيوبية الإريترية، وكما يحدث اليوم من خلال مساهمتها للتدخل في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهذا تحقق من خلال الثقة الدولية بدولة الإمارات.

اليوم، لا تقاس الدول بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل الأهم من ذلك قدرتها على أن تكون محل ثقة دولية، والثقة بدولة الإمارات لم تكن مصادفة، بل هي نتيجة مواقف إماراتية متزنة، وقرارات قيادتها الحكيمة، ولابتعادها عن المغامرات غير المحسوبة.

المتابع للشأن الدولي ودور المنظمات الدولية، يعلم أن العالم يمر بمرحلة تغيرات سريعة في موازين القوى، وهناك صعود واضح للتكتلات الإقليمية.

وتراجع واضح في قدرة المنظمات الدولية على فرض حلول حاسمة، لذا من المهم في مثل هذا السياق إيجاد دبلوماسية مرنة لحماية المصالح والمكتسبات الوطنية والحفاظ عليها، وتجنب الوقوع أو الانجرار وراء صراعات لا تخدم الاستقرار الإقليمي والعالمي.

وهنا تبرز دولة الإمارات بوصفها نموذجاً فريداً للدولة القادرة على التعامل والتكيف مع المتغيرات والتطورات في النظام الإقليمي والدولي، وذلك من دون التفريط أو خسارة ثوابتها ومكتسباتها ومصالحها الوطنية، وهنا يبرز دور القائد الذي يعرف متى يتحرك؟ وكيف يتحرك؟، ولماذا يتحرك؟ القائد الحقيقي يقرأ المشهد الدولي، ويؤمن بالاستقرار العالمي، ويقدر المصلحة المشتركة.