في دبي، المستقبل ليس حدثاً ننتظره، بل مشروع نعمل عليه. هذه كلمات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الرئيس الأعلى لجامعة حمدان بن محمد الذكية.

وهذه العبارة تلخص روح المدينة: منهاج عمل يقوم على الفعل لا الترقب، على الإنجاز لا التأمل السلبي. وفي دبي، لا أحد ينتظر أن يصل المستقبل حتى يستعد له؛ بل يتم استدعاؤه وصناعته. وكل مبادرة، كل فكرة، كل مشروع جديد يبدأ من هذه الرؤية.

تتناول هذه المقالة التحول العميق في التعليم العالي، حيث يتقدم الذكاء الاصطناعي ليكون جزءاً من منظومة التعليم، ليس كأداة ثانوية، بل كشريك في إنتاج المعرفة.

وإذا كانت المقالة الأولى تناولت ضرورة الابتكار باعتباره خيار بقاء، فهذه المقالة تسلط الضوء على التطبيق العملي لهذا الابتكار في بيئة تعليمية حقيقية: مبادرة تعليمية جديدة تعيد تشكيل علاقة عضو هيئة التدريس بالمعرفة، وعلاقة الجامعة بالمستقبل.

لقد اختصرت كلمات سموه فلسفة الريادة التي تميز دبي. وهذه الكلمات لا تقدَّم كشعارات، بل تُترجم إلى مبادرات وسياسات ومشروعات قابلة للقياس والتطبيق. ومن تجليات هذه الفلسفة إطلاق سموه نظاماً عالمياً يقيس التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة.

وهذه النقلة الفكرية غيرت طبيعة السؤال: لم يعد السؤال كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف نتعايش معه ونتعاون لتوليد معرفة جديدة، لا مجرد استهلاك معلومات.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، أطلقت جامعة حمدان بن محمد الذكية مبادرة رائدة بعنوان: «وكيل ذكاء اصطناعي لكل عضو هيئة تدريس». وهذه المبادرة ليست مجرد توفير برنامج رقمي أو منصة تقنية، بل إعادة تعريف لدور عضو هيئة التدريس نفسه.

فلم يعد الأكاديمي موظفاً مرتبطاً بساعات محددة ومواد جامدة، بل أصبح باحثاً مبادراً يمتلك شريكاً ذكياً يعمل معه على مدار الساعة.

من مزايا هذه المبادرة أنها تختصر 85 % من وقت تطوير المحتوى، وتقلل الجهد الأكاديمي بنسبة 95 %، وترفع التحصيل الأكاديمي بنسبة 40 %.

وهذه الأرقام ليست تحسيناً طفيفاً، بل ثورة إنتاجية تعيد توزيع الوقت والجهد، ليتركز دور عضو هيئة التدريس في التفكير والابتكار والتوجيه، لا في الأعمال الروتينية التي تستهلك الوقت دون قيمة معرفية مضافة.

وإذا ما كان الباحث سابقاً يقضي أسبوعين في إعداد مادة أكاديمية، يمكنه الآن أن يختصر ذلك إلى ساعات قليلة، بينما يركز طاقته على تطوير أفكار جديدة أو مشاريع بحثية أكبر.

إن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الإنسان... لكن الإنسان الذي يتقنه سيحل محل من لا يعرفه. وهذه الحقيقة تشبه القاعدة الذهبية في التاريخ: من لا يتقن أدوات العصر، لا مكان له في السباق.

والذكاء الاصطناعي ليس تهديداً للمعلم، بل تهديداً لأسلوب العمل القديم الذي يعتمد على التكرار لا على الإبداع. ومن يتجاهل الذكاء الاصطناعي سيخسر دوره وتأثيره في المستقبل.

وهكذا تصنع دبي مستقبل التعليم العالي. ليس عبر الكلام، بل عبر الفعل. وليس عبر تقليد الآخر، بل عبر المبادرة والمخاطرة والسبق. وحين تقوم الجامعة بتطبيق نموذج جديد، فهي تقدم نموذجاً للعالم حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بطريقة أخلاقية ومبدعة وفعالة.

وفي هذه المرحلة الجديدة، يتحول عضو هيئة التدريس من ناقل للمحتوى إلى صانع للمعرفة. ويتحول التعليم من قاعة محاضرات إلى مساحة للتجريب والإبداع والتطوير. والدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس أن يقدم الإجابات، بل أن يحرر الإنسان ليطرح الأسئلة الصحيحة.