إن الكلمة أمانة كبرى، ومسؤولية عظمى، يسأل عنها المرء أمام الله تعالى، وهي في عصرنا الحالي تجاوزت الحدود الجغرافية لتصبح عابرة للجدران والحدود والقارات عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي.

ومن هنا تبرز الخطورة البالغة حينما تُستخدم هذه الوسائل في نشر الكذب وتزييف الحقائق والجناية على الآخرين، مما يقوض أركان العلاقات الشخصية، ويزعزع استقرار العلاقات الدولية، ويحيل الفضاء الإلكتروني إلى ميادين للصراعات والفتن.

وإن من واجب كل شخص يتصدر للمشهد الإعلامي أو يملك منصة مؤثرة أن يتذكر أنه مسؤول أمام الله عز وجل عن كل حرف يكتبه وعن كل كلمة ينشرها، متذكراً قول الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، وقوله سبحانه:

{‌إذ ‌تلقونه ‌بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم ‌بالكلمة ‌من ‌رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم».

وتظهر مخاطر الكذب الإعلامي جلياً في أوقات الأزمات ووقوع الخلافات، فبدلاً من الالتزام بأخلاقيات الخصومة، يندفع البعض نحو توظيف الكذب كأداة للتحريض والفجور في الخصومة، وقد ضبط الشرع الحنيف أخلاقيات التعامل أثناء النزاع، وأمر الناس بأن يستحضروا القيم السامية حتى في أصعب الظروف، ومن تلك القواعد قوله تعالى:

(ولا تنسوا الفضل بينكم)، فهذه القاعدة الربانية صمام أمان يفرض على العاقل حسن إدارة انفعالاته وتوجيه ردود أفعاله وممارساته لئلا تخرج عن نطاق القيم والأخلاقيات، فكم هو مؤسف أن يشتط الهوى بالجامحين فيخلعوا ثوب القيم، ويمحو كل أثر للفضل ويقطعوا حبال الرجعة، ليسهموا في تأجيج الكراهية، ويحولوا الخلافات إلى عداوات يصعب علاجها.

ويشهد الواقع اليوم تطوراً خطيراً في أساليب الكاذبين، حيث أصبح الكذب صناعة محترفة تعتمد على الفبركة وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستغلال هذه الأدوات المتطورة لنسج الروايات والأخبار الكاذبة، وتزييف فيديوهات وصور ومقالات رأي، تهدف إلى التأثير على الرأي العام وتضليل الشعوب.

وإن الهدف من هذه الفبركات الإعلامية هو استهداف الدول الناجحة عبر حملات تشويه منظمة، ومحاولة الاستعداء عليها، وتشويه صورتها، وهؤلاء الكاذبون يطورون أدواتهم باستمرار، مستغلين سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لبث سمومهم، وهم بذلك يتجاوزون كل الخطوط الحمراء الأخلاقية والمهنية، مما يستوجب وعياً مجتمعياً لدى الشعوب لكشف هذه الألاعيب وعدم الوقوع في فخاخها.

وإن أخطر ما يمارسه الكاذبون في الفضاء الإعلامي هو التحريض المباشر على الدول ومحاولة شق لحمة صفوفها، وهم يسعون جاهدين لزعزعة الثقة بين الشعوب وقياداتها، وبين المجتمعات وبعضها البعض، عبر نشر أخبار مغرضة تهدف إلى إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار، ويستغلون أي ظرف لبث الفرقة والتشكيك في المنجزات الوطنية والمواقف الثابتة.

ومن هنا تبرز ضرورة تحلي المجتمعات باليقظة والوعي والتبصر، فالمؤمن كيس فطن، لا ينقاد وراء العواطف المشحونة بالأكاذيب، ولا يسلم عقله لمنصات مجهولة الغايات، ويسعى للتأكد من أي معلومة أو خبر تأتيه من مصادر غير موثوقة، تأسياً بقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.

إن الكذب الإعلامي داء عضال يهدد بنيان العلاقات الإنسانية والدولية، والواجب على كل عاقل أن يجعل الصدق نصب عينيه، وأن يحذر كل الحذر من أبواق الفتنة، وأن يحافظ على التعامل الراقي في سائر الأوقات، وإن هؤلاء الذين يسلكون مسالك الكذب على الدول والشعوب إنما يجنون على أنفسهم قبل أن يجنوا على غيرهم، وقد قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}.

وقد قامت دولة الإمارات على قيم الصدق والوضوح، وجعلت الكلمة الطيبة منهجاً ثابتاً في تعاملاتها، وأساساً راسخاً في علاقاتها، إيماناً بأن المصداقية هي أساس الاحترام المتبادل بين الشعوب والدول، لتكون قدوة ملهمة في هذا المسار المضيء، وعلى هذا تربى أبناؤها، متحلين بأرفع القيم منذ نعومة أظفارهم، لتبقى دولة الإمارات منارة للصدق والحق، وواحة للازدهار والاستقرار، ومنبعاً للقيم الحضارية الرفيعة.