شكّل حلف شمال الأطلنطي (ناتو) منذ الحرب العالمية الثانية، حجر الزاوية للأمن الغربي، والأساس المستقر والقوي للتعاون الأمريكي - الأوروبي طيلة ما يقرب من ثمانية عقود.

لكن إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتبنيه سياسة «أمريكا أولاً» أعادا تشكيل هذا المشهد بشكل جذري، ولا سيما مع التحوّل الاستراتيجي في نظرة الولايات المتحدة إلى أوروبا، من شريك في الأمن المشترك إلى ساحة تفاوض ومصالح.

فبعد ساعات فقط من إلقاء ترامب خطابًا ناريًا استمر ساعة كاملة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، والذي أكد فيه مجددًا هدفه المتمثل في «الحصول على غرينلاند، بما في ذلك الحق والملكية»، تراجع الرئيس عن حافة الهاوية، وأعلن عن «إطار عمل لاتفاق مستقبلي» بعد اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.

لكن هذا الإطار، الذي لا يزال قيد التفاوض، لا يتضمن استيلاء الولايات المتحدة على الجزيرة القطبية، التي تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع الدنمارك.

كما لم يتضح إذا كان ذلك سيمنح الولايات المتحدة أي شيء لم يكن متاحًا بالفعل، أو شبه متاح، من خلال إعادة التفاوض على اتفاقيات سابقة تعود إلى ثلاثة أرباع قرون.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، خلال كلمته أمام أعضاء البرلمان الأوروبي، أن ما جرى بحثه الأسبوع الماضي أسفر عن الاتفاق على مسار عمل للمضي قدمًا، أحدهما يخص حلف الناتو مجتمعًا لتحمّل مزيد من مسؤولية الدفاع عن منطقة القطب الشمالي.

وأوضح أن هذا المسار يقوم على دراسة أفضل السبل الجماعية لمنع زيادة النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، مشيرًا إلى أن الناتو هو الجهة المسؤولة عن هذا الملف. ولفت إلى أن المسار الثاني يتعلق بمواصلة المناقشات بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

ضمن هذا السياق بات استمرار الحلف بشكله السابق غير محتوم، في ظل تنامي الشكوك بشأن دور الولايات المتحدة في الحلف، وكيف ترى الأصدقاء الأوروبيين، وقد ينفك عقد الحلف إذا لم ينجح الحلفاء في الوصول إلى صيغة للتوافق حول غرينلاند ومستقبل أوكرانيا، ولكن ما يعطل خطوة كهذه، أن أوروبا لا تزال في احتياج للولايات المتحدة كما تحتاج إلى استقلالية أكبر من الناحية الاستراتيجية.

لقد غيرت الولايات المتحدة القواعد المستقرة للتحالف الأطلسي، وأضحى نهج القوة مقدماً على أي شيء، بما فيه الحلفاء، لتحقيق رؤية الرئيس دونالد ترامب، الدولية، والخروج عن التزامات عُدت فيما قبل مستقرة تجاه الشركاء الأوروبيين، بما في ذلك الرسوم الجمركية والتحلل الأمريكي من رؤية التهديدات والمخاطر على أوروبا، وأحياناً الانحياز للرؤية الروسية على حساب أوروبا، للتخلص من حمل أوكرانيا.

إن المادة الخامسة لمعاهدة حلف شمال الأطلسي تعتبر الهجوم المسلح على عضو واحد يجب أن يُعتبر هجوماً على جميع أعضاء الحلف، لكن السؤال الذي يشغل الأوروبيين حالياً: ماذا لو حدث هجوم من الولايات المتحدة على غرينلاند، وهي تابعة للدنمارك، عضو حلف الناتو؟ لا شك أن كيان ومصداقية الحلف ستكون مهددة، والمستقبل لا ضمان فيه للاعتماد على الآخرين، وهو ربما درس تأخر الأوروبيين في استيعابه، وتداعياته ستكون عميقة على توازن القوى والتحالف الغربي.

إن رغبة ترامب تُقابل بمحاولة من الزعماء الأوروبيين لبقاء الحلف قوياً، وفكرة وجود الحلف دون الولايات المتحدة غير مطروحة بقوة أوروبياً، لكن انشقاق الحلف دون تفككه لا يعني سوى الضعف، ولذا لا يزال عند الأوروبيين الأمل في الخيار السياسي على العسكري في غرينلاند، لكن إذا نجح الأعضاء في الخروج من هذه الأزمات: غرينلاند وأوكرانيا، كيف يمكن التقارب في رؤيتهما للعالم بعدما اختلفت القواعد والممارسات الدولية؟