يقال، إن أصحاب الأصوات النشاز، عادة ما يجربون الغناء في دورات المياه المغلقة، بعيداً عن الناس، كي لا يصبحوا مادة للسخرية والانتقاد، لكن ارتباط الغناء بدورات المياه أبعد من ذلك، فالعديد من مشاهير الغناء والتمثيل غنوا فيها أو أنتجوا أغاني لها ارتباط بذلك المكان، بل هناك مسلسل سوري بعنوان «حمّام الهنا» أنتج في عام 1968، وتدور كل أحداثه في حمام دمشقي تقليدي، وتتخلله أغانٍ ومواقف كوميدية بين أصحاب الحمام وزبائنه.
ولعل البعض يتذكر ظهور الموسيقار محمد عبدالوهاب في مشهد من فيلمه الأخير «رصاصة في القلب» (1944) وهو يؤدي أغنية «المية تروي العطشان» في البانيو، بعد أن أقنعه المخرج محمد كريم بالتخلي عن مشاهد الغناء التقليدية بحجة أن الجمهور مل منها، وفي السياق نفسه يمكن الإشارة أيضاً إلى تحية كاريوكا، التي غنت أغنية لها علاقة بهذا المكان، وهي أغنية «يا طالعة من باب الحمّام وكل خد عليها خوخة» في فيلم «لعبة الست» للمخرج ولي الدين سامح سنة 1946، والتي لحنها محمود الشريف من كلمات بديع خيري، وهناك أغنية أخرى ذات صلة، صنفت من قبل النقاد ضمن الأغاني الهابطة جدا، وهي أغنية «يا شبشب الهنا.. يا ريتني كنت أنا»، التي غناها المطرب عبدالعزيز محمود سنة 1949 في فيلم «منديل الحلو» للمخرج عباس كامل.
ما سبق يجرنا للحديث عن أغنية «متى أشوفك يا غايب عن عيني/ قتالة الفرقة والله وبعادك عن عيني»، التي لحنها الموسيقار بليغ حمدي (1932 ــ 1993) للمطرب الراحل محمد محمد عبدالرحمن الراجحي الشهير بمحمد رشدي (1928 ــ 2005) في الحمّام، وملخص قصتها هو أن بليغ حمدي، كما هو معروف، كان شديد الارتباط بعبد الحليم حافظ فنياً، وكان يقضي أوقاتاً طويلة بصحبته، وفي منزله من أجل إطلاق أعمال يغنيها العندليب بصوته الذهبي.
وحدث ذات مرة في منتصف ستينيات القرن الماضي أن حصل محمد رشدي من الشاعر الغنائي محمد حمزة (1940 - 2010) على نص أغنية «متى أشوفك»، فأعجب به، وقرر أن يلحنها له بليغ على وجه السرعة، ليغنيها في حفلات شم النسيم بعد يومين من ذلك التاريخ.
بحث رشدي عن بليغ في كل مكان، ولم يعثر عليه، ثم علم أنه في منزل العندليب كعادته، فأسرع إلى هناك ليقابله. طرق الباب، فخرج إليه عبد الحليم، الذي دعاه إلى الدخول، لكنه رفض متذرعاً بارتباطه بمواعيد مسبقة، وطالباً فقط التحدث إلى بليغ لدقائق عدة.
جاءه بليغ فطلب منه تلحين ما كتبه محمد حمزة على وجه السرعة، فوافق الأخير، لكنه لم يشأ أن يقدم اللحن المطلوب أمام صاحب الدار دفعاً للإحراج، وهكذا لم يجد رشدي وبليغ حلاً سوى الاختلاء معاً في حمّام كان يقع بالقرب من مدخل سكن العندليب، وهناك قام بليغ بتلحين «متى أشوفك» ودون النوتة الموسيقية على ورقة خلال ثوانٍ معدودات، وسلّمها لرشدي، الذي سارع بها إلى فرقته الموسيقية لتسجيلها فوراً.
وفي حفل شم النسيم، بعد يومين من الواقعة، غنى رشدي الأغنية التي تم تلحينها في الحمّام، فلقيت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وعدت من أبرز الأعمال في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية، بل صُنّفت في عداد أجمل وأشهر ما غناه رشدي في مشواره الفني، الذي بدأ سنة 1952 بأغنية «قولوا لمأذون البلد» من تلحينه وكلمات محمد فتحي مهدي، والتي أقحمت في أحداث فيلم «المارد» سنة 1964 من بطولة فريد شوقي وشويكار.
