في العلاقات الإنسانية عموماً، لا تصنع المسافات قرباً ولا بعداً، بل تصنعه القيم التي تحكمها وتترك أثرها فيها، وربما تظلّ العلاقة الزوجية أكثرها مساساً بحياة الإنسان؛ فهي شراكة يومية ومساحة سكنٍ نفسي تبدأ بالتوافق وتستقرّ بالطمأنينة، وتقوم على مرتكز واضح: المودّة والرحمة. وقوله تعالى: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ إطارٌ أخلاقي تُدار في ظله العلاقة، في صفائها كما في اختلافها.
وفي مسار الحياة المشتركة، لا تمضي الأمور دائماً على وتيرة واحدة؛ تتغيّر الظروف، وتتزاحم التفاصيل، ويظهر التباين. هنا تبدأ الخلافات في صورتها الأولى؛ بسيطة وقابلة للاحتواء، لا تهدّد العلاقة بقدر ما تختبرها. في هذا المستوى يكون الحوار هو العون الأقرب، ويظل التوفيق حاضراً لمن قصد الإصلاح: ﴿إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما﴾.
وقد تتسع الخلافات مع الزمن، فتمسّ عمق العلاقة وتفتح باب الجفاء، لا بسبب الخلاف ذاته، بل بطريقة إدارته. عندها قد يثقل الصلح لكنه لا يسقط؛ فالقاعدة تظل قائمة: ﴿والصلح خير﴾ ما دام القصد حياً ولم تُغلق الأبواب مبكراً.
وقد تبلغ العلاقة مفترقاً حاسماً بعد استنفاد محاولات الإمساك، ويغدو القرار ضرورة لا رغبة. ومع خفوت المودّة، يبقى الهدي حاضراً في أصعب الخيارات: فإن تعذّر الصلح، كان التسريح بإحسان أكرم للجميع.
المنزلق الحقيقي ليس في الفراق نفسه، بل في ما يُفتح بعده. وكما تروي أروقة القضاء، تتجاوز بعض الخصومات حدود الطلاق والنفقة والحضانة، لتصير نزاعات طويلة الأثر، تتراكم كلفتها النفسية، ولا تقف عند طرفي العلاقة، بل تمتد ندوبها في كل من حولهما. هناك، تنقلب علاقة بدأت بالمودّة والرحمة إلى خصومة لا تهدأ؛ تخبو طوراً ثم تعود في صورٍ أخرى.
وهكذا، تبتعد العلاقة عن الهدي الذي رافقها عبر منعطفاتها. ويُدار الخلاف خارج إطار القيم، فلا يتوقف الأثر عند تفكك رابطة، بل يمسّ معناها الإنساني.
وعند هذا الحد، يتجاوز الأثر حكاية اثنين؛ فاستقرار ما بينهما ليس شأناً خاصاً، بل نواة استقرار أوسع. فالأسرة مساحة أمان نفسي واجتماعي، وحين تتحوّل الخصومة إلى حرب، لا يتصدّع جدار واحد فقط، بل يُخدش الإحساس العام بالطمأنينة.
وفي امتداد هذا المعنى، لا تقف هذه الرؤية عند حدود العلاقة الأقرب، بل تمتدّ كلما اتّسعت الدوائر، لتبقى القيم هي الميزان مهما تغيّرت الساحات.