كلما طرح موضوع التأثير الكيميائي على الإدراك والذاكرة، عاد القلق إلى الواجهة، لا بسبب ما يقدّمه العلم اليوم، بل بسبب ما يتذكّره العالم من الأمس. فالكيمياء العصبية ليست علماً جديداً، لكنها علم يحمل ذاكرة تاريخية ثقيلة، تجعل التعامل معه أكثر حساسية من غيره.

في القرن العشرين، خرجت بعض تطبيقات هذا المجال عن إطار العلاج، ودخلت مناطق رمادية ارتبطت بالقسر، والتجريب غير الأخلاقي، وتغليب المصلحة السياسية أو الأمنية على كرامة الإنسان. هذه الصفحات، التي كُشف عنها لاحقاً في أكثر من دولة، شكّلت صدمة أخلاقية عالمية، وأسهمت في بناء منظومة القوانين والمواثيق الطبية التي نعرفها اليوم.

لكن هل يعني ذلك أن الكيمياء العصبية تظل متهمة إلى الأبد؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي، لا..

فاليوم، تُعد الأدوية النفسية أحد أهم إنجازات الطب الحديث. ملايين المرضى حول العالم يستعيدون قدرتهم على الحياة والعمل بفضل علاجات دقيقة للاكتئاب، والقلق، واضطرابات الصدمة، والفصام. دول كثيرة بنت أنظمة علاجية تحترم حقوق المريض، وتربط الدواء بالمتابعة، والموافقة الواعية، والدعم النفسي والاجتماعي.

ومع ذلك، يبقى القلق مشروعاً. ليس خوفاً من العلم، بل من احتمالات انحرافه في ظروف استثنائية. فالتاريخ يعلّمنا أن الأزمات الكبرى – الحروب، السجون، حالات الطوارئ – هي اللحظات التي يُختبر فيها التزام الدول بالأخلاق أكثر من القوانين المكتوبة. والسؤال الحقيقي هنا ليس: هل الكيمياء العصبية مفيدة؟ بل: من يملك قرار استخدامها؟ وتحت أي شروط؟

الرأي الذي لا يمكن القفز عليه هو أن الخط الأحمر يجب أن يظل واضحاً وغير قابل للتأويل: أي تدخل كيميائي في الإدراك أو الوعي يفقد معناه العلاجي إذا فُرض قسراً، أو استُخدم للضبط بدل الشفاء، أو جرى دون موافقة حرة ومستنيرة. فحرية الإنسان لا تبدأ من جسده فقط، بل من عقله أيضاً.

الكيمياء العصبية ليست خطراً بحد ذاتها، لكنها مرآة تعكس علاقتنا بالقوة والمعرفة. وكل تقدم علمي لا يُرافقه تقدم أخلاقي، يظل تقدماً ناقصاً... وربما مقلقاً.