هل بدأت إجراءات الطلاق البائن بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأوروبا، أم أن ما يحدث حالياً هو مجرد خلاف وسوء فهم يفترض أن ينتهي قريباً، أو حتى مع نهاية فترة ترامب بعد حوالي ثلاث سنوات؟

هذا السؤال أصبح مطروحاً بقوة على ضفتي المحيط الأطلسي.

هو كان مجرد همس داخل الغرف المغلقة، لكنه صار يتردد على ألسنة الكثيرين، من الإعلاميين وبعض السياسيين، وصولاً إلى كبار المسؤولين الأوروبيين الذين أصيبوا بصدمة هائلة من سياسات وتصريحات ترامب منذ عودته للبيت في يناير من العام الماضي.

نعلم أن غالبية قادة وزعماء القارة الأوروبية لم يكونوا سعداء بفوز ترامب في الانتخابات، فهو يكرر علناً منذ ولايته الأولى رغبته في تفكك الاتحاد الأوروبي، وكان من داعمي خروج بريطانيا من الاتحاد، ودعم كل أحزاب اليمين المتطرف في القارة. ‏

ونتذكر أيضاً تصريحات نائبه جي دي فانس، في منتدى ميونيخ للأمن في فبراير من العام الماضي، حينما قال إن التهديد الأساسي لأوروبا لا يأتي من روسيا والصين، بل من داخل القارة نفسها، الأمر الذي اعتبرته أوروبا هجوماً على قيمها الديمقراطية ونقطة تحول في علاقات الطرفين، وقال كثيرون من زعماء القارة بعد تلك التصريحات إن هذه العلاقات لم تعد كما كانت، وإن شيئاً ما قد انكسر.

أما ما فجر الخلاف الأخير بين الجانبين فهو إصرار ترامب على امتلاك جزيرة غرينلاند.

لكن الدنمارك وسكان الجزيرة رفضوا طلب ترامب، كذلك عارضت الدول الأوروبية الكبرى طلب ترامب الذي هدد بفرض رسوم جمركية عقابية قياسية على هذه الدول.

لكن هناك تطوراً حدث الأربعاء الماضي في دافوس، بإعلان ترامب أنه لن يستخدم القوة للسيطرة على الجزيرة. ‏

وفي الوقت نفسه أعلن حلف الناتو أنه بصدد تقديم مزايا كبرى لوجود عسكري أمريكي في الجزيرة، ما يمنع أي تهديدات انطلاقاً منها، على أن تظل تحت سيادة الدنمارك.

مرة أخرى، قضية غرينلاند هي مجرد مؤشر للأزمة بين ترامب والقارة التي ظلت حليفاً مهماً وموثوقاً لأمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما دخلت أمريكا الحرب وساعدت في هزيمة ألمانيا النازية، وبعدها أسست حلف الناتو ليكون الطوق الذي يحمي أوروبا، خصوصاً خطر حلف وارسو الذي تفكك أوائل تسعينات القرن الماضي.

لكن الخطر الروسي عاد مرة أخرى، خصوصاً بعد بدء الحرب في أوكرانيا في 2022.

ترامب يريد من دول أوروبا، وهي تشكل عماد وأساس حلف الناتو، أن ترفع إسهاماتها في ميزانية الحلف إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي حتى يتم تخفيف العبء عن أمريكا التي تساهم بنصف الإنفاق الدفاعي للحلف.

وحينما تلكأت بعض الدول الأوروبية في تنفيذ هذا المطلب هددهم ترامب بأنه سيترك روسيا تلتهمها. وقد رأينا في الأيام الأخيرة انتهاكات صارخة من ترامب للقواعد والأعراف الدبلوماسية، خصوصاً في الرسائل المتبادلة بينه وبين كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

رغم كل ما سبق، فإن غالبية المراقبين يعتقدون أن الخلاف الراهن صعب وغير مسبوق، لكنه لم يصل حتى الآن إلى مرحلة الانفصال، ناهيك عن الطلاق.

الخطر الحقيقي هو أن العديد من قادة الدول الأوروبية بدؤوا يدركون بقوة أن العلاقة مع أمريكا لم تعد كما كانت، وأن فكرة الاعتماد الأوروبي على واشنطن لم تعد فكرة سديدة، وبالتالي فإن الخلاف على غرينلاند أو الرسوم الجمركية أو ميزانية حلف الناتو لم تكن مجرد خلافات سياسية يمكن تسويتها، بقدر ما عكست وجود خلافات استراتيجية حول السيادة والقانون الدولي ومنطق القوة الذي يحكم كل تحركات ترامب، بحيث أنه يهدد أقرب الحلفاء باستخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

‏من المؤشرات أيضاً أن صناديق استثمار في شمال أوروبا بدأت إعادة تقييم تعاملها مع الأصول الأمريكية بسبب المخاطر الجيوسياسية، ما قد يشير إلى تحول استراتيجي في بعض القطاعات المالية.

ومن المؤشرات أيضاً أن هناك دعوات كثيرة رسمية وشعبية في أوروبا بدأت تدعو علناً لضرورة زيادة الاعتماد الأوروبي على الذات وتكوين قوة أوروبية بدلاً من استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة، وكذلك ضرورة الاستقلال في قطاعات الطاقة والتجارة.

نعلم أن أوروبا تعتمد الآن على الولايات المتحدة في الغاز المسال بعد ضغط واشنطن على أوروبا لوقف اعتمادها على الغاز الروسي.

النقطة الأخطر هي أن أوروبا لا تملك موقفاً موحداً من ترامب. فإذا كانت فرنسا الأقوى صوتاً في معارضة أمريكا، فإن ألمانيا ورغم انتقاداتها المستمرة لسياسات ترامب ما تزال تدعو إلى معالجة الخلاف مع واشنطن بصورة هادئة.

وعلى مسؤولية مجلة بوليتيكو الأمريكية فإن هناك العديد من الخلافات الجوهرية بين أكبر بلدين في القارة وهما فرنسا وألمانيا. باريس تشكو من الهيمنة الألمانية على القارة، في حين تشكو برلين من تعثر برنامج الطائرات المقاتلة المشترك مع فرنسا وكذلك اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والميركسور في أمريكا اللاتينية، والخلاف حول خطة استخدام الأصول الروسية لتمويل المساعدات لأوكرانيا.

‏في الختام فإن الخلاف شديد بين ترامب وأوروبا، لكنه لم يصل إلى حد الطلاق، وأغلب الظن أن الأمور لو استمرت بالوتيرة نفسها، فإن الطلاق حاصل لا محالة، والرابح الأكبر هو روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، وكذلك الصين، إضافة إلى بعض الدول الفقيرة والضعيفة والصغيرة التي ترى في صدام الأقوياء رحمة لها.