يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «الإنسان أمام خياري الابتكار أو الاندثار». وإذا ما تأملنا هذه العبارة وجدناها تعلن حقيقة مهمة من الحقائق التي تنطبق على التعليم، والتي استوحتها جامعة حمدان بن محمد الذكية طوال مسيرتها منذ التأسيس قبل ما يزيد على عقدين، وصولاً إلى هذه المرحلة التي تعمل فيها الجامعة على إعادة تشكيل مستقبل التعليم. فهذه العبارة ليست توصيفاً لمشهد، بل إعلان لهذه الحقيقة التي تقول إن الابتكار لم يعد قيمة إضافية بل أصبح شرطاً أساسياً للاستمرارية.

نبدأ بهذه المقالة سلسلة مقالات تستكشف التحول الجذري الذي يعيشه التعليم العالي اليوم، في زمن يتقاطع فيه الابتكار مع الذكاء الاصطناعي، وتتغير فيه قواعد اللعبة بأكملها. وفي المقالات اللاحقة، سنعمل على فهم كيف انتقل التعليم من نموذج قائم على التلقين، إلى نموذج يقوم على المشاركة الجزئية بين المعلم والطالب، ثم إلى نموذج حديث تصبح فيه المعرفة عملية تشاركية بين الإنسان والآلة. وهذه السلسلة لا تبحث فقط في التطور التقني، بل في التحول العميق الذي يفرضه هذا العصر على الجامعات وعموم مؤسسات التعليم العالي. وفي هذه المقالة تحديداً، نتناول نقطة البداية: لماذا أصبح الابتكار ضرورياً، ولماذا لم يعد خياراً بل مسألة بقاء.

قبل أن نتحدث عن المستقبل، دعونا نتأمل الماضي قليلاً. لقد كان التعليم العالي في السابق امتيازاً للنخبة فقط، تحيط به الأسوار العالية، وتقتصر مصادره على القلة. وكان النظام التعليمي أشبه بمدينة مسوّرة، لا يدخلها إلا من يملك مفاتيح محددة: المال، المكانة، أو القدرة على الوصول إلى المؤسسات الأكاديمية الكبرى. وكان الطالب مستهلكاً للمعرفة لا شريكاً فيها، وكانت الفصول مراكز نقل للمعلومات، لا بيئات لبناء الأفكار. ولم يكن للطالب دور يذكر في العملية التعليمية، بل كان التعلم رحلة خطية تسير من المعلم إلى الطالب، لا تتغير ولا تتجاوز ما هو مكتوب في المنهاج.

ثم جاءت الإنترنت، ففتحت الأبواب على مصراعيها، لتتحول المعرفة من سلعة محدودة إلى حق متاح للجميع. وهنا، لم يعد الطالب في حاجة إلى الانتقال أو الالتحاق بمؤسسة محددة حتى يتعلم. وفجأة، أصبحت المعلومات متاحة، ويمكن لأي شخص أن يصل إلى آلاف الدورات والكتب والأبحاث والمصادر التعليمية بضغطة زر. وهكذا انهارت الحواجز، وذابت حدود جغرافية أمام تدفق المعلومات، واختفت الفوارق إلى حد ما بين من يملك الموارد ومن لا يملكها. وكانت تلك لحظة تحوّل تاريخية، أعادت توزيع القوة المعرفية، وغيّرت فكرة التعليم جذرياً.

ومع التعليم الذكي، دخلنا عصراً جديداً. وفي هذا العصر، لم يعد المتعلم مجرد متلقٍ، بل أصبح شريكاً في صناعة تجربته التعليمية. وتحول دور الطالب من الاستقبال إلى المشاركة، ومن الحفظ إلى البحث والاكتشاف. في هذا النموذج، أصبح للتعليم بعد شخصي، يتشكل وفق احتياجات الفرد، لا وفق جدول محاضرات ثابت. ولم يعد التعليم قالباً مفروضاً، بل رحلة تخضع لعملية تصميم. وانتقل المعلم من كونه مصدراً للمعلومة إلى أن يكون موجّهاً يساعد الطالب على الوصول إليها، والتفاعل معها، وتحويلها إلى معرفة جديدة.

واليوم، نرى أن الذكاء الاصطناعي لا يضيف فصلاً جديداً فحسب، بل يعيد كتابة القصة كلها. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة مضافة إلى أدوات التعليم، بل بنية جديدة تعيد تشكيل مفهوم المعرفة نفسه. إنه يمكّن الطالب من التفكير النقدي، والابتكار، والمحاكاة، والتحليل، والتجربة، ويساعد المعلم على تخصيص المحتوى وتسريع التطوير والتفاعل مع عدد أكبر من المتعلمين. كذلك يفتح الوافد الجديد مسارات جديدة، كانت مستحيلة قبل سنوات قليلة.

والاختيار ليس بين البقاء أو الزوال فقط، بل بين أن نكون قادة التغيير... أو متفرجين عليه. فالمستقبل لا ينتظر المترددين، ولا يمنح مكاناً لمن يكتفي بالمشاهدة، والمؤسسات التي لا تبتكر تتراجع تدريجياً حتى تتوارى، بينما تلك التي تبادر، وتختبر، وتغامر، ترسم ملامح المستقبل.