لماذا تُستهدف الإمارات كلما اختارت طريق العقل؟

ولماذا تتحول دولة بَنت نموذجها على الاستقرار والتنمية إلى هدف دائم للتشكيك والتزييف؟

السؤال لم يعد عابراً، ولا يمكن اختزاله في لحظة سياسية أو موقف طارئ. فالتشكيك، وتزييف الحقائق، وبناء السرديات المضللة ضد الإمارات، لم يعد سلوكاً فردياً أو ردّة فعل انفعالية، بل أصبح في كثير من الأحيان نهجاً منظماً تقوده جماعات، وتغذيه منصات، وتستثمره أطراف إقليمية ترى في الاستقرار الإماراتي إرباكاً مباشراً لمشاريعها القائمة على الفوضى أو الاستقطاب أو الأدلجة.

السؤال المنطقي الذي يجب أن يُطرح بعيداً عن ضوضاء وسائل التواصل الاجتماعي هو:

ما مصلحة الإمارات فيما تُتّهم به؟

ما مصلحة الإمارات في كل ما يُنسب إليها زوراً؟

ما مصلحتها في دعم الميليشيات، أو تقسيم الدول، أو زعزعة الاستقرار، كما يروّج البعض؟

الجواب، عند إخضاعه للعقل لا للعاطفة، واضح وبسيط:

مصلحة الإمارات كانت، وما زالت، في أمن الخليج، واستقرار المنطقة، وتعزيز منطق الدولة الوطنية. مصلحتها في وحدة الصف الخليجي، وفي تقوية الجوار العربي، وفي منع انزلاق المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا رابح فيها. وهي مصالح لا تُخدم بالفوضى، ولا تُدار عبر الميليشيات، ولا تُبنى على الأيديولوجيا العابرة للحدود.

ولهذا السبب تحديداً، فإن الإمارات لم تخرج عن صمتها إلا في موقفين مفصليين تحمّلت فيهما مسؤوليتها التاريخية تجاه أمن المنطقة واستقرارها.

الأول، عندما تحركت لمواجهة خطر جماعة الإخوان المسلمين، بعدما تبيّن أن هذا المشروع العابر للحدود لا يستهدف أنظمة بعينها فحسب، بل يستهدف فكرة الدولة ذاتها، ويغذّي الانقسام والفوضى تحت غطاء سياسي وديني، ويقوّض أسس الاستقرار الوطني من الداخل.

والثاني، عندما شاركت في عاصفة الحزم، استجابةً لطلب المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية الشرعية، دفاعاً عن أمن اليمن، ومنع تحوّله إلى منصة تهديد مباشر لأمن الخليج واستقراره الاستراتيجي.

ولم يكن غريباً أن يكون هذان الموقفان تحديداً، الشرارة التي أطلقت أوسع حملات التحريض والتشويه ضد الإمارات، وأن تُسخَّر الجيوش الإلكترونية لتزييف الوقائع، وقلب الحقائق، ومعاقبة الدولة لأنها اختارت الوقوف في صف الاستقرار لا المساومة، وفي صف الدولة لا الفوضى.

بعيداً عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، ومنطق «الترند»، يبقى الحكم الرصين قائماً على الأدلة لا الانطباعات. والتقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات مستقلة وخبراء عالميين لا تبني تقييمها على العاطفة أو الاصطفاف السياسي، بل على الوقائع والنتائج. وهذه التقارير تضع الإمارات في مقدمة الدول الأكثر استقراراً، والأعلى تنافسية، والأكثر تأثيراً في محيطها الإقليمي والدولي.

ومن يبحث عن الدليل العملي على هذا النهج، فلينظر إلى ما قدمته الإمارات للتنمية في محيطها العربي، بعيداً عن الشعارات. فالإمارات لم تكتفِ بإعلان المواقف، بل استثمرت في بناء القدرات، ونقل التجربة، ودعم الإنسان العربي باعتباره أساس الاستقرار الحقيقي.

من خلال القمة العالمية للحكومات، تحوّلت الإمارات إلى منصة دولية لنقل أفضل الممارسات في الإدارة وصناعة السياسات واستشراف المستقبل، يشارك فيها سنوياً قادة دول وصنّاع قرار من مختلف أنحاء العالم. وعبر برامج التبادل المعرفي الحكومي، عملت على نقل تجربتها المؤسسية إلى عشرات الدول، في مسار يهدف إلى دعم الدولة الوطنية وتعزيز كفاءة الحكومات، لا فرض نماذج ولا تصدير أيديولوجيات.

وعلى المستوى المجتمعي، أطلقت الإمارات مبادرات عربية غير مسبوقة مثل تحدي القراءة العربي، وصنّاع الأمل، ونوابغ العرب، لترسيخ ثقافة المعرفة، وتحفيز الطاقات الإيجابية، وبناء أجيال ترى في التعليم والأمل والابتكار طريقها إلى المستقبل. وفي الميدان الإنساني، يواصل الهلال الأحمر الإماراتي أداء دوره في إغاثة الشعوب المنكوبة دون تمييز، في التزام أخلاقي راسخ لا يخضع لحسابات السياسة أو الاصطفاف.

أما في ساحات الأزمات، فقد جمعت الإمارات بين دعم الأمن والتنمية: أسهمت في استقرار اليمن عبر مشاريع إنسانية وتنموية، ودعمت أمن السعودية في مواجهة التهديدات، ووقفت إلى جانب الدولة الوطنية في مصر في لحظة مفصلية، إيماناً بأن استقرار الدول العربية هو صمام أمان للمنطقة بأسرها.

الشواهد كثيرة، وهذا غيض من فيض لا يسع المقال لاحتوائه. ومن هنا، فإن جوهر السياسة الإماراتية لا يقوم على منطق الصدام، بل على مبدأ حسن الجوار، وترسيخ الاستقرار، وتغليب الحلول التي تقي المنطقة الانهيار، بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجه بعد فوات الأوان. وهو نهج لا يروق لمن اعتاد الاستثمار في الفوضى، ولا لمن يرى في الدولة الوطنية عائقاً أمام مشاريعه، ولذلك تصبح الإمارات هدفاً كلما أثبتت أن التنمية أقوى من الضجيج، وأن الهدوء أبلغ من الصراخ.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا الإمارات؟

بل: هل يزعجهم نجاح الإمارات... أم يفضح عجز مشاريعهم؟

فالدولة التي تستثمر في الإنسان، وتنقل المعرفة، وتدعم التنمية، وتحمي الاستقرار، لا يمكن أن تكون ممولة للفوضى أو صانعة لها. ومن يدعم نهوض الدول، لا يعمل على تفكيكها. ومن يختار حسن الجوار طريقاً، لا يفعل ذلك ضعفاً، بل ثقة بأن الاستقرار هو الرهان الأذكى في عالم يزداد اضطراباً.