ماذا لو لم تكن الدول الحالية مكانها على هذه البقعة تحديداً من الأرض؟ هذه الأرض العجوز التي عمرها أكثر من أربعة مليارات سنة كانت، قبل أن يسكنها الإنسان، بكراً عذراء، خالية من الحروب والندوب، ورغم البراكين والزلازل والكوارث الطبيعية حافظت على طبيعتها، يابسة وأنهار وبحار، ماء سقفها سماء زرقاء.

إنها «الجغرافيا»، وجد الإنسان الأول ليعمرها، يبني بيوتاً من شجر الغابات، يأكل من ثمرها، ويصطاد من بحارها وأنهارها، ومن طيورها وغزلانها، وما طاب له مما ترى عينه. تطور وبنى بيوتاً من ترابها وحجارتها، وسكن عماراتها، لكنه طمع بأكثر من نصيبه، وتقاتل مع أخيه على قطعة أرض أو حفنة ماء. نشبت الحروب، وسالت دماء، وقتل بشر..، ولم تزل!

إنه «التاريخ»، تاريخ الإنسان لا تاريخ الأرض. الجغرافيا لا تكذب، لكن التاريخ يفعل، بل يكذب كثيراً، هي ثابتة وهو متغير متحرك، حتى مع ثباتها فإنه يرسم حدوداً، ويلغي حدوداً، يحتل ويسيطر، يخوض حروباً، ويستبدل أسماء بأسماء تشبهه، ويلغي دولاً، وينشئ دولاً!

لكن الجغرافيا تتحول أحياناً إلى لعنة، وكم من دول دفعت ثمن موقعها الجغرافي على مدى التاريخ، وهي ليست مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل هي قدر سياسي واقتصادي وأمني يلازم الدول عبر تاريخها، فالموقع الجغرافي قد يكون مصدراً للقوة والنفوذ، لكنه في حالات كثيرة يتحول إلى عبء ثقيل، خصوصاً عندما تقع الدولة عند تقاطع المصالح الدولية أو على خطوط تماس بين القوى الكبرى. في هذه الحالة لا تستهدف الدول لضعفها فقط، بل لأن موقعها يجعلها مرغوبة أكثر مما تحتمل، وفي غير مصلحة سكانها.

الدول الواقعة على أطراف النظام الدولي غالباً ما تنعم بهامش أوسع من الاستقرار، بينما الدول الواقعة في القلب الجيوسياسي تدفع ثمناً مضاعفاً، فحيث تمر الجيوش، وتتقاطع طرق التجارة، وترسم خطوط الطاقة، تتحول الأرض إلى ساحة صراع مفتوح، ويصبح الاستقرار استثناء.

تكمن خطورة الموقع في كونه يمنح الدولة قيمة استراتيجية تفوق قدرتها أحياناً على الحماية والإدارة، فالممرات البحرية، والبوابات القارية، والعقد البرية لا تجذب التجارة وحدها، بل تجذب أيضاً الأطماع، وحين تغيب القدرة على تحويل هذه القيمة إلى قوة سيادية، تتحول الجغرافيا إلى لعنة تستنزف الدولة بدل أن تدعمها.

المثال الأوضح على ثمن الموقع هو منطقة الشرق الأوسط. فلسطين، الواقعة عند ملتقى القارات الثلاث، كانت على الدوام هدفاً للقوى الكبرى، وتحول موقعها الاستراتيجي إلى عبء تاريخي، دفع شعبها ثمنه وجوداً وتهجيراً وصراعاً مفتوحاً. العراق، قلب الهلال الخصيب، لم يكن مجرد دولة نفطية، بل عقدة ربط بين الخليج وبلاد الشام وآسيا الوسطى، ما جعله عرضة لغزوات متكررة، من الإمبراطوريات القديمة إلى الاحتلال الحديث.

أما سوريا فموقعها كونها جسراً بين المتوسط وعمق المشرق، وحدودها المتداخلة مع أربع دول محورية، جعلها ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث تحولت الحرب فيها إلى نموذج صارخ لتصفية الحسابات فوق أرض واحدة. لبنان بدوره مثال لدولة صغيرة بموقع كبير، فكونه بوابة المتوسط إلى المشرق، إضافة إلى هشاشته الداخلية، جعله سريع التأثر بأي اهتزاز في المنطقة.

تتكرر ظاهرة لعنة الموقع الجغرافي بأشكال مختلفة خارج المنطقة العربية. أفغانستان، الواقعة عند نقطة وصل بين آسيا الوسطى والجنوبية، لم تحتل بسبب ثرواتها، بل بسبب موقعها، فكانت ساحة تناوبت عليها الإمبراطوريات، حتى لقبت بمقبرة الغزاة. أوكرانيا تمثل اليوم نموذج الجسر القلق بين روسيا وأوروبا، حيث لا يسمح الموقع بالحياد، بل يفرض الانخراط القسري في صراع نفوذ طويل الأمد.

موقع كوريا بشطريها الشمالي والجنوبي بين الصين وروسيا واليابان جعل منها منطقة صراع قابل لحرب نووية، وموقع إيران، التي تتحكم في مضيق هرمز، وتخضع لعقوبات وضغوط متواصلة تتصدر أخبار العالم اليوم. العالم يضع يده على قلبه، ويدعو ألا تنشب الحرب، التي لا أحد يدري تبعاتها على المنطقة.