«علمتني الحياة أن الوطن كالروح التي تسري في الجسد»، ومعلوم أن الروح هي سر الوجود الأعظم الذي استأثر الله تعالى بعلمه لشدة خفاء تعلقه بالإنسان، فلا حياة للإنسان بدون هذا اللطف الإلهي الذي ارتقى به الإنسان من دورة الطين إلى مدار الحياة العالي الرفيع.
وتأكيداً على هذا المعنى الفريد للوطن يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على أن الوطن ليس حدوداً جغرافية، ولا هياكل سياسية، ولا شعارات عاطفية، ولا رموزاً وطنية، الوطن هو القلب الذي ينبض في الصدر، لا حياة بدونه، ولا كرامة بغيره، ولا عزة إلا من خلاله.
فهذه المكاسب المعنوية الثلاثة: الحياة، الكرامة والعزة لا يمكن تحقيقها إلا بانتماء عميق للوطن يتجاوز الشعارات الجوفاء والكلمات الفارغة، ويؤكد على صدق الالتزام وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «الولاء للوطن ليس شعاراتٍ نرددها، ولا كلماتٍ نحفظها، بل هو أمانة نؤديها، وكرامة نبنيها، وهيبة نرسخها»، وبهذا النوع الكبير الصادق من الولاء يكون الوطن مستقبلاً نصنعه بأيدينا، وتراباً نفتديه بأرواحنا.
فبهذا الفهم يرتقي الإنسان بمفهوم الولاء ليصبح سلوكاً عملياً ينتظم جميع مظاهر حياة الإنسان العملية ليتطور بعد ذلك إلى ولاءٍ للرموز المعنوية للوطن، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بقوله: «الولاء للوطن هو احترام لدستوره، وتقديس لعَلَمه ورمز عزته، والتزام بقوانينه، وحفاظ على جميع مكتسباته».
وهذا الفهم الصحيح لرموز الوطن سيكون معززاً بالولاء لقيادته التي هي محل ثقة جميع أبناء الوطن وهو ما عبر عنه بقوله: «الولاء للوطن هو ولاء لقيادته، وثقة في إخلاصهم وتفانيهم وتضحياتهم، وانقياد لطاعتهم، وسعي لتحقيق رؤيتهم، والتفاف حولهم في الشدة والرخاء»، فالولاء الصادق للقيادة هو حجر الأساس في استقرار الأوطان وازدهارها، وحين تشيع ثقافة التخوين والتشكيك في نزاهة القيادة وحرصها على مصالح الوطن يكون ذلك ذريعة لنشر مشاعر عدم الثقة وتجييش النفوس على القيادة وخلق بؤر التوتر وربما التمرد مما يؤدي إلى خراب الأوطان كما هو مشاهد بالعيان .
حيث تم تدمير الكثير من البلاد بسبب هذه النزعة من التشكيك وعدم وجود ولاء حقيقي للقيادة مما أدى إلى خراب البلاد وتشريد العباد، وتدمير كل المكتسبات التي تم بناؤها بعرق الجبين ومقدرات الوطن ليكون ذلك كله هدية للشيطان وأتباعه من فاسدي الضمائر وموزعي الولاءات.
«الولاء للوطن هو تغليب لمصلحة المجتمع على المصالح الفردية الضيقة، وهو جهد من كل فرد من أجل نهضة الكل وكرامة الجميع»، وواضح من كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مدى حرصه على تغيير الفهم لمعنى الولاء، وأنه موقف أخلاقي يتبعه سلوك عملي يصل إلى درجة التضحية، وبغير ذلك يكون الولاء للوطن ألفاظاً تلوكُها الألسنة، وعبارات جوفاء يتبجح بها أدعياء الوطنية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
«الولاء للوطن هو انتماء لقيم الوطن ومبادئه القائمة على الإخلاص، والعدالة، والصدق، والأمانة، والمسؤولية تجاه الجميع» فهذه القيم هي مجموع الفضائل الاجتماعية التي تمتحن الولاء في أنقى تجلياته، فمن كان متحققاً بها عاملاً بمقتضاها، ناظراً إلى مصلحة الوطن العليا فهو المواطن الراسخ الولاء، المتجذر في تراب وطنه، الذائد عن حماه بكل وعيٍ وشرفٍ وانتماء.
«الولاء للوطن هو ولاء لتاريخه، وتعزيز لموروثه، وانتماء لثقافته وعاداته وجذوره» وهذا لعمر الحق هو الولاء الذي تنمو به الأوطان، وتزدهر به الشعوب، ويصبح الوطن هو البيت الذي يأوي إليه الإنسان كما يأوي إلى بيته الصغير، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله:
«الولاء للوطن أن تكون أسرتك وطنك الصغير، ويكون وطنك أسرتك الكبيرة» ليختم صاحب السمو هذا الدرس الرائع بالبيت السائر الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي الذي تجاوز المألوف حين سجل هذا الإحساس الإنساني الفريد في شدة الحنين إلى الوطن فقال: