ليست كل اللغات أصواتاً تنطق، ولا كل الحكايات تروى بالكلمات. بعض الرسائل تصل بإشارة، وبعض المشاعر تفهم بنظرة، وبعض القيم العظيمة تجسد بالفعل لا بالخطاب. من هنا تأتي مبادرة «دبي تتواصل بلغة الإشارة» بوصفها أكثر من مشروع توعوي بل رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن التواصل الحقيقي لا يحتاج إلى حنجرة، بل إلى قلب مفتوح ووعي حي، فهذه المبادرات الريادية لهيئة تنمية المجتمع في دبي تجسد التزام الإمارة بترسيخ مكانتها مدينة دامجة وممكنة لأصحاب الهمم.
في عالم يتسارع فيه الإيقاع وتعلو فيه الضوضاء اختارت دبي أن تنصت.. أن تنصت لمن لا يسمع، وأن تشرك من طالما وقف على هامش المشهد لا لقصور فيه، بل لقصور في أدوات المجتمع، فجاءت المبادرة لتقول ببساطة: نراك، نفهمك، ونمد أيدينا لنتواصل معك بلغتك.
لغة الإشارة ليست حركات صامتة، كما يظن البعض، بل لغة حياة كاملة، تنبض بالمشاعر، وتحمل المعاني، وتترجم الأحاسيس بدقة وصدق. هي لغة تعلمنا أن التعبير لا يقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق الفهم، وأن الإنسانية لا تكتمل إلا حين يشعر كل فرد بأنه مسموع حتى وإن لم ينطق، ومن خلال هذه المبادرة لا تعلم دبي أفراد المجتمع حروف لغة جديدة فحسب بل تعيد تعريف مفهوم التواصل ذاته. تعلمنا أن نبطئ قليلاً، أن ننتبه، أن نمد الجسور بدل أن نكتفي بالمشاهدة من بعيد. تعلمنا أن الدمج ليس شعاراً يرفع بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل: تحية، سؤال، ابتسامة، أو إشارة تشعر الآخر بأنه جزء أصيل من هذا المكان.
إن «دبي تتواصل بلغة الإشارة» ليست مبادرة لأصحاب الهمم وحدهم، بل مبادرة لنا جميعاً، لأنها تذكرنا بأن الاختلاف ليس عائقاً بل ثراء، وأن المجتمع القوي لا يقاس بتقدمه العمراني فقط، بل بقدرته على احتواء الجميع دون استثناء، وبأن المدن العظيمة لا تبنى بالإسمنت وحده، بل بالقيم، والرحمة، والوعي. إن دعم أصحاب الهمم ليس عملاً تكميلياً ولا مبادرة ظرفية، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، تعكس نضج المجتمعات ورقيها، فهذه الفئة لا تحتاج إلا إلى تمكين حقيقي، يفتح أمامها أبواب المشاركة الكاملة في الحياة العامة، ويمنحها الأدوات التي تضمن لها الاستقلالية والكرامة. وعندما يمد المجتمع يده لأصحاب الهمم فإنه في الحقيقة يعيد تعريف العدالة الاجتماعية، ويؤكد أن الاختلاف في القدرات لا يعني اختلافاً في القيمة، وأن الإنسان يقاس بما يملكه من طموح وإرادة لا بما يفتقده من حواس.
هكذا هي دبي.. لا تكتفي بأن تكون مدينة المستقبل، بل تصر أن يكون هذا المستقبل إنسانياً، عادلاً، ومتاحاً للجميع. مستقبل تسمع فيه القلوب، حتى وإن صمتت الأصوات.