نميل إلى الاعتقاد أن الأرقام محايدة وصامتة، لا تعكس إلا ما نعتقد أننا نراه فيها. لكن الواقع مختلف، فالأرقام حين تتكون طبيعياً لا تأتي متساوية الحضور، بل تكشف أنماطاً خفية، وتفضل مسارات بعينها دون قصد أو توجيه.

في علم الإحصاء، هناك ما يعرف بـ «قانون بنفورد»؛ قانون يبدو غريباً في ظاهره، لكنه شديد الواقعية في نتائجه. فهو يلاحظ أن الأرقام الأولى في البيانات الطبيعية لا تتوزع بالتساوي؛ إذ يظهر الرقم (1) أكثر من غيره، يليه (2) ثم (3)، بينما يقل حضور (9). لا لأن أحداً اختار ذلك، بل لأن النمو الحقيقي لا يقفز؛ يبدأ صغيراً، ثم يتراكم، ثم يعيد إنتاج نفسه.

هذا القانون لا يشرح الأرقام بقدر ما يصف سلوك التراكم. فكل ما ينمو بشكل طبيعي يمر بالبدايات الصغيرة قبل أن يبلغ النهايات الكبيرة. ولهذا، فإن التوازن المصطنع في الأرقام غالباً علامة افتعال، بينما التدرج المتوازن علامة صدق.

ومن هنا، يتجاوز «قانون بنفورد» عالم المال والمحاسبة، ليصبح مدخلاً لفهم تجارب الدول والمؤسسات. فعندما تتقدم دولة في مؤشر واحد، قد يكون ذلك إنجازاً مرحلياً.

لكن حين يتكرر التقدم عبر مؤشرات متعددة، ومجالات مختلفة، وعلى مدى زمني ممتد، فإن الأمر يتحول من حدث إلى نمط، ومن نتيجة إلى مسار.

بهذا المعنى، يمكن فهم تكرار حضور دولة الإمارات في المراتب الأولى عالمياً بوصفه سلوكاً تراكمياً لا استعراضياً. فـ «الرقم واحد» لا يظهر مرة واحدة، بل يتكرر كما في النمو الطبيعي الذي يصفه «قانون بنفورد».

وتكرار النتائج هو محور الدلالة؛ إذ قد يصنع الزيف قفزة، لكنه لا يصنع نمطاً. وفي هذا السياق، يبرز تصدر الإمارات مؤشر الثقة بالحكومات لعام 2026 (تقرير إيدلمان – نيويورك) كجزء من مسار تراكمي متصل عبر مؤشرات دولية متعددة.

وعند هذا الموضع، جاءت تدوينة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، على منصة إكس لتقدم القراءة الأوضح لهذا التقدم، وتكشف المنهج الكامن خلف المؤشرات؛ فبعد الإعلان عن تصدر الإمارات عالمياً في مؤشر الثقة بالحكومات، لم يتحدث سموه عن إنجاز اقتصادي، ولا عن تفوق إداري، بل قال: «مصداقية الكلمة، والوفاء بالوعود، وشرعية الإنجاز، ونزاهة القوانين، واحترام البشر».

بهذه الكلمات، انتقل الحديث من المؤشر إلى الثقافة، ومن الرقم إلى القيم. وكأن الرسالة تقول، إن ما يظهر في التقارير الدولية ليس سوى انعكاس تلقائي لقيمٍ أخلاقية وإنسانية تُمارَس بنهجٍ متجذّر، وفلسفةٍ تتخطّى الاختزال. الاستمرارية أثرُ نهجٍ ثابت.