يبدو أن المشهد الدولي مقبل بالفعل على تغييرات دراماتيكية غير مسبوقة، لكنها غير مفاجئة بالنسبة للملاحظين الذين رأوا وقدّروا أن نهاية مرحلة القطب الواحد الذي يتحكم في مجمل العلاقات الدولية لن تكون سلسة، وفي الغالب ستكون عنيفة ومأساوية، وقد تودي بالمنظومة القانونية والحقوقية المنبثقة عن الحرب العالمية الثانية، وتقضي بالكامل على منظومة العمل متعدد الأطراف الذي بلغ ذروته في عمل منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية التابعة لها.

وإذا كانت المتغيرات الحالية تجد جذورها في المنظومة القانونية والحقوقية والسياسية السابقة، لجهة أنها كانت نتاجاً واضحاً لموازين القوى ولتوازن عناصر القوة، حيث طغى منطق تعدد المكاييل واختلافها، فإن ما تم تقديمه على أنه الانتصار الساحق والنهائي للمنظومة الليبرالية على حساب المنظومة الاشتراكية بداية تسعينيات القرن الماضي، لم يكن سوى فاصل قصير سرعان ما تفجرت معه التناقضات الجديدة التي قوامها مصالح الأوطان والقوميات والدول أحادية المصالح، وتعددت فيه انتهاكات القطب الواحد لأبسط قواعد القانون والشرعية الدوليين.

ومثّل رجوع دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تسريعاً لوتيرة تآكل نظام القطب الواحد وتهاوي منظومة القيم التي تحكمت في العلاقات الدولية منذ 1945.

وللتذكير، فإن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم تتغير مواقفه منذ 1985 وقبل دخوله عالم السياسة من الباب الواسع، فهو دوماً من المدافعين الشرسين عن توظيف القوة في العلاقات الدولية ومن أجل الوصول إلى الأهداف المرجوة.

وقد أجاد الحقوقي التونسي وأستاذ القانون الدولي سليم اللغماني في آخر تدويناته عن ترامب التي نسوقها ببعض التصرف، إذ كتب: «إن ما يصيبني بالذهول في شخصية ترامب ليس كونه كذاباً ولكن مبعث ذهولي أنه لا يكذب (...) وتعلمنا تجارب التاريخ أن هيمنة الأقوياء لم تكن إرادة معلنة في الهيمنة أو لأن القوي يمتلك الإمكانيات والسلطة والقوة للقيام بذلك، بل إن الواجب هو دوماً الدافع للهيمنة وأن تسود الحقيقة هو الهدف الأسمى، فالهيمنة تُقَدم على أنها واجب وعطية للشعوب (المتوحشة من خارج نادي المتحضرين)».

وسواء تعلق الأمر بالأزمة الروسية الأوكرانية أو بقطاع غزة أو بفنزويلا أو بجزيرة جرينلاند الدنماركية أو بحربه التجارية المعلنة ضد الجميع، فإن الأصل في السلوك والموقف هو استعراض القوة والحصول على التنازلات المطلوبة أو مزيد من الضغط في حالة التصدي حتى الرضوخ ونيل المراد، ولا يبدو أن التراجع وارد في قاموس ترامب لأنه من علامات الضعف، كما لا يبدو أن الاعتراف بالخطأ والهزيمة من شيمه وللأسباب ذاتها.

وفي كل الأزمات التي تدخل فيها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سعى فيها إلى اختراق «سلام» على مقاس أهدافه الاقتصادية والسياسية الأمريكية، وكان وفياً لرؤيته للعلاقات الدولية، والتي تقوم أساساً بين الدول والأمم ووفق منطق القوة وبعيداً عن أي إطار متعدد الأطراف وتجوز فيها القسمة بين الأقوياء أو التكتلات والإمبراطوريات الجديدة والمستحدثة

وإن هذه الدبلوماسية وهذه التطورات قد لا ينظر إليها الأوروبيون بعين الرضا لأنهم أساس وموطن المنظومة القيمية والحقوقية التقليدية التي مكنتهم من التشارك في السيادة والريادة في العالم مع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وإن ترامب الذي حمل شعار «أمريكا أولاً وأخيراً» هو على وعي تام بأن تحقيق هذا الشعار يتم أولاً عبر فك الارتباط مع القارة الأوروبية العجوز ومع ضوابط الأيديولوجيا الليبرالية التقليدية ومن خلال وضع حد لتشاركية لم تعد تخدم الصالح القومي الأمريكي وبالخصوص من خلال التهميش الممنهج للقانون الدولي وأطر العمل متعدد الأطراف، وخلق منظومة قانونية دولية بديلة، وقد يكون مجلس سلام غزة هو آخر مثال مستحدث لترك العمل بالمنظومة القديمة والتهميش النهائي لمنظمة الأمم المتحدة، وفرض نظام بالثوابت وبمتغيرات مأساوية، ولن يكون فيه مستقبل لغير بعض التكتلات التي سارعت بالتأسيس لحماية مصالح أوطانها.