كثيراً ما تمنحنا الأسفار بعد انتهاء العمل، فرصة لاكتشاف ما لا يظهر في البرامج الرسمية ولا في جداول الاجتماعات. ففي لحظة هدوء، بعيداً عن الالتزامات، نبدأ بالبحث عن أثر مختلف، عن معنى يتجاوز المكان إلى الفكرة. هكذا بدأت هذه الحكاية، في إحدى المدن الواقعة جنوب فرنسا خلال جولة لم تكن الأولى، لكنها كانت الأعمق.

اقترح أحد مفكري المدينة أن يأخذنا إلى مكان يعشقه محبو الخيول. لم نمانع، ودخلنا محلاً صغيراً يضم مجسمات للخيول العربية وفرسانها عبر التاريخ. كان المكان مشبعاً بروح الفروسية، غير أن ما لفت الانتباه حقاً أن صورة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تتوسط المعرض، وكأنها قلبه النابض.

استقبلنا مالك المكان بحفاوة لافتة، وبعد حديث قصير قال بثقة «أنتم بلد العمالقة.. وبلد اللامستحيل». لم تكن العبارة مجاملة عابرة، بل خلاصة تجربة وانطباع. وحين سألناه عن سر هذا المجسّم، ابتسم وقال إنه معجب بالفرَس والفارس معاً، لأن التاريخ لم يكرر أيّاً منهما.

روى لنا أنه في أحد السباقات العالمية، كان له شرف الحضور وتقييم الخيول العربية المميزة آنذاك، وهناك التقى بالفارس والفرس في لحظة لا تُنسى. استعاد المشهد وكأنه يراه أمامه: فُتحت البوابات على مصراعيها، فاندفعت الخيول بقوة لا تُرد، اندفاعات متتابعة تشبه زحف الجيوش في لحظة الحسم.

ثوانٍ فقط، ثم انفتحت البوابة مرة أخرى، لا لتكرار المشهد، بل لاستقبال لحظة مختلفة.. لحظة تاريخية.. سُلِّطت الأضواء، حُبست الأنفاس، وكان الصمت يسبق العاصفة. هنا بدأ العرض، توحّد الإيقاع، وتقدم «دبي ميلينيوم» لا يعدو، بل يمشي.. يمشي كالأسد نحو المجد، عندها، كما يقول صاحب المعرض أدرك أن هذا ليس سباقاً عادياً بل درسٌ كامل في التوقيت والثقة وضبط الإيقاع.

يضيف الرجل إنه عند عودته من السباق، لم يجد مكاناً يليق باستقبال هذه اللحظة سوى قلب المعرض، ليكون المجسم شاهداً على فكرة لا تشيخ. وخلال تجوالنا في المكان، لم يكن المجسّم مجرد حضور بصري، بل نقطة ارتكاز لمعنى أوسع؛ فقد أحاطت به كتب، إنجازات شكلت مدرسة قيادة مكتملة الأركان.

صور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وكتبه ملأت المكان نوراً ودلالة، وكأنها تروي مسيرة لا تُختصر في إنجاز، ولا تُحبس في زمن. لم يكن بالإمكان المغادرة دون اقتناء كتاب «علمتني الحياة» غادرنا نحمله لا كذكرى بل كفكرة.. تتجاوز المكان وتبقى منهجاً. غادرت المكان والكتاب بين يدي، كأنني أحمل إرثاً لا يفارقني.

وبينما كُنت أتصفح فصول الكتاب، توقفت عند الفصل الأخير، الذي بدا في جوهره كأنه الفصل الأول والأخير في آنٍ واحد، لأن كل مدرسة قيادة حقيقية تبدأ من الإرث.. وتنتهي إليه. هنا تتضح الفكرة: ما يلاحقه العالم في هذه التجربة ليس إنجازاً فقط بقدر ما هو منهج، في المقام الأول. فكرة سبقت زمنها، فتأخر العالم عنها، ثم اضطر لاحقاً إلى دراسة منطقها للحاق بها.

وحين نوجّه النظر إلى الخارج، نكشف أن هذه التجربة تحوّلت إلى مدرسة قائمة بذاتها تُدرَّس لا لتقليد نتائجها فحسب، بل لفهم منطلقاتها أيضاً. أجيالٌ ستقرأ هذه التجربة لا كنبض مسيرةٍ مستمرة فحسب، بل كإرثٍ حيٍّ، مُتجدّد، يصنع أثره عبر الأجيال، ويقود وعيهم بما يليق بزمنهم وتحدياتهم.

فشجاعة القلب ليست شعاراً يُرفع، ولا خبراً يُكتب، بل قوة قرار، وثبات رؤية، وقدرة على المضيّ حين يتردد الآخرون. وهكذا يصنع الإرث الحقيقي: ليس بما يتخطّى حدود المستحيل، بل بما يستعصي على العالم قياسه؛ أثر يعلو حتى أقصى الأفق، حاضر للعيان، بعيدٌ عن المنال.