تحت عنوان «الحُب» جاء الدرس الـ31 من دروس كتاب «علمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حيث قدم سموه نظرته الخاصة لمفهوم الحب الذي كان قد لخصه ببيت شعري بديع يقول فيه:

الحُب ما هي كلمه تنقال وتنسى

الحُب موقف صدق بالفعل يظهر

ليكون هذا البيت البديع مفتاحاً لكل مظاهر الحب التي سيتفحصها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بقلبه الكبير ونظرته الثاقبة، حيث قدم مفهوماً إنسانياً راقياً للحب، صحح فيه في بداية كلامه النظرة الشائعة للحب، ليقدم بعد ذلك تصوره الإنساني الشامل لهذه العاطفة البديعة التي يمكن أن تكون سبباً لسعادة البشر حين يتم النظر إليها من منظور واسع يستوعب طبيعة الفروق البشرية، ويحاول صهر الاختلافات لصالح حالة من التعارف والتسامح والانسجام، بدلاً من التقاطع والتدابر وذبح مفهوم الإنسانية من الوريد إلى الوريد.

«بالنسبة لي، الحب ليس عشق الحبيب للمحبوب فقط، الحُب أكبر وأسمى وأجمل، الحب قوة ترفعك، وترقيك، وتهذبك، وتسعدك»، بهذه الرؤية الواثقة يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

هذا الدرس البليغ بتصحيح معنى الحب السائد والارتقاء به نحو أفق أكثر جمالاً وسمواً، حين يُخرجه من دائرة الحب الضيقة بين العاشق والمعشوق، ليصبح الحب قوة أخلاقية وجمالية كفيلة بتحقيق السعادة وتهذيب النفس وترقية الذوق وتحقيق السعادة كنتيجة طبيعية لجميع هذه المكتسبات التي لا يمكن تحصيلها إلا بثقافة الحب حين يتحول إلى طاقة إيجابية تنشر الخير والتسامح والمحبة في مواجهة الظلم والبغضاء والعنصرية وخطاب الكراهية المقيت.

ولقد أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في تحليل فلسفة الحب ودورها الكبير في تجسير العلاقة بين الإنسان وبين جميع الأشياء، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: «الحب هو الجسر الذي يربط بيننا وبين كل شيء، هو الجسر الذي يربطنا مع أسرتنا، فنحمي الأبناء، ونقدر الآباء ونعشق الشريك».

فمن الأسرة التي هي أساس البناء الاجتماعي ينطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ليتحدث عن فاعلية الحب في هذا الإطار الشخصي الذي يؤدي إلى تشكيل أسرة ترفل بثوب السعادة حين تعيش الحب واقعاً في حياتها، وليس مجرد فكرة مثالية يتحدث عنها الناس ولا يلمسون نتائجها على أرض الواقع، ليكون الحديث عن الأسرة الصغيرة مدخلاً للحديث عن أسرة الوطن الكبيرة، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله:

«الحب هو الجسر الذي يربطنا مع وطننا فنحميه، ونفديه، ونُغليه، ونموت من أجله»، وهذه هي ضريبة الحب الصادق للوطن، وهي الضريبة التي لا يمكن تقديمها إلا من خلال شعور صادق بالحب العظيم للوطن، ولأن الوطن يحتاج إلى أحلام فرسانه فإن الحب هو وسيلتنا لتحقيق هذه الأحلام، فالحب بحسب عبارة سموه «هو الجسر الذي يربطنا مع أحلامنا فنعشقها، ونتعلق بها، ونتفانى من أجلها، وتهون الصعاب والتحديات لبلوغها».

ولا تزال دائرة الحب تتسع في نظر سموه ليصبح الحب جسراً يربط الفرد بمجتمعه، فلا يجد انتماءه إلا إليه، ولا يحس بالسكينة والسلام إلا معه، ولا يؤمن أحدنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وعندها فقط يكون الحب هو الجسر الذي يربطنا مع أنفسنا، فنحب ذواتنا، ونعرف قيمتنا، وندرك جمالنا الداخلي والخارجي.

وبإحساسه الديني المرهف وذوقه الأدبي الرفيع يرتقي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بمفهوم الحب إلى أفقه الأعلى حين يجعل حُب الله تعالى هو الرابطة التي لا يوجد قبلها رابطة في القلب الإنساني، ويُعبر عن عمق هذا الإحساس الصادق بقوله:

«وقبل كل ذلك، الحب هو الجسر الذي يربطنا مع الله، نحب خالقنا ويحبنا، نرى آثاره في الكون الفسيح ونرى رحمته منبثة في جميع مخلوقاته، ونرى فضله علينا ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، فنحبه وهو يحبنا، وهو يحب المحسنين، ويحب النفاعين لعباده، الناشرين لرحمته، القريبين من خلقه».

وبلغة الشاعر المرهفة يُعبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن المحتوى العاطفي للحب فيجعله أجمل شيء ومنبع كل شيء، مؤكداً على ضرورة نشر ثقافة الحب بين جميع الأجيال، لا سيما الأطفال الذين يجب أن يفتحوا عيونهم على الحياة من خلال عاطفة حب الحياة وقيمة التسامح، بحيث ينعكس ذلك على مجموعة القيم السائدة في المجتمع، وتختفي تبعاً لذلك كل مشاعر الكراهية والتعصب والتحريض التي كانت وراء سلسلة مروعة من المذابح، كما حصل في رواندا ويوغسلافيا السابقة.

وبعين الرائد الذي يستشرف الآفاق يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على أنه إذا تعلم أطفالنا كيف يحبون أنفسهم ويحبون أسرهم ويحبون وطنهم، فإن النتيجة ستكون حياة أكثر استقراراً وسلاماً لهم وإنجازات أكبر لأُسرهم ووطنهم، لأن الحب شعور صادق يؤدي لموقف صادق ويكون مفتاحاً لأفعال عظيمة، ليعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى البيت الشعري الذي افتتح به هذا الدرس الكبير حين قال:

الحُب ما هي كلمه تنقال وتنسى

الحُب موقف صدق بالفعل يظهر