تعد واجهات الدماغ من أكثر الابتكارات إثارة في العصر الحديث، إذ تفتح آفاقاً غير مسبوقة في مجالات الطب والتأهيل الإنساني، فهذه التقنيات تمنح المصابين بالشلل أو فقدان النطق القدرة على التواصل والتحكم بالأجهزة المحيطة بهم، عبر ترجمة الإشارات العصبية إلى أوامر رقمية. إنه إنجاز علمي وإنساني بالغ الأهمية، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً واسعاً على أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة، أبرزها ملف الخصوصية العصبية.

للمرة الأولى في تاريخ البشرية تصبح الإشارات الصادرة من الدماغ – وهي أكثر ما يعبر عن الإنسان ووعيه ونواياه – قابلة للتسجيل والتحليل والتخزين. هنا يبرز سؤال جوهري لم يكن مطروحاً من قبل: هل تعد بيانات الدماغ مجرد بيانات صحية يمكن التعامل معها كغيرها من السجلات الطبية أم أنها تمثل مستوى أعمق من الهوية الإنسانية، يتجاوز الجسد ليصل إلى جوهر الذات؟

تكمن خطورة هذه التقنية ليس في استخدامها الطبي، بل في اتساع نطاق توظيفها خارج العيادات والمستشفيات. ماذا لو استخدمت بيانات الدماغ لأغراض تجارية، مثل توجيه الإعلانات أو تحليل ميول المستهلكين؟ ماذا لو طلب من الأفراد مشاركة بياناتهم العصبية تحت ضغط وظيفي، أو بدعوى متطلبات أمنية؟ والأخطر من ذلك، ماذا لو تحولت هذه البيانات إلى أداة تصنيف أو مراقبة تستخدم للحكم على القدرات الذهنية أو الاستعدادات النفسية للأفراد؟

حتى الآن لا توجد تشريعات دولية متكاملة، تعالج مسألة الخصوصية العصبية بشكل صريح وواضح، فالقوانين الحالية الخاصة بحماية البيانات أو الخصوصية الرقمية لا تلامس خصوصية الدماغ بوصفه مصدراً للأفكار والمشاعر والنوايا، لذلك يدعو عدد متزايد من الباحثين والفلاسفة إلى الاعتراف بما يسمى «السلامة الذهنية» حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، على غرار الحق في الخصوصية الجسدية، وحرمة الجسد.

القضية هنا ليست خيالاً علمياً بل نقاشاً استباقياً تفرضه سرعة التقدم التكنولوجي، فالتقنية تتطور بوتيرة أسرع من القانون والأخلاق، وإذا لم يفتح هذا الملف اليوم بجدية، فقد نجد أنفسنا غداً أمام واقع جديد تنتهك فيه خصوصية الإنسان من أعمق مستوياتها، ويصبح تصحيحه أمراً بالغ الصعوبة.