قضى المسلمون ثمانية قرون في الأندلس التي أصبحت الآن إسبانيا والبرتغال، وكانت بداية القرون الثمانية عندما عبر طارق بن زياد مضيق جبل طارق من الشواطئ المغربية إلى الشواطئ المقابلة على الجانب الأوروبي.
وتروي كتب التاريخ أنه عندما عبر المضيق وقف وظهره للماء، ثم خاطب الجنود الذين عبروا معه قائلاً: العدو أمامكم والبحر من خلفكم.
وكان القصد أن عليهم أن يقاتلوا بقوة وألا يتهاونوا في ذلك، لأن العدو أمامهم يتربص بهم، بينما البحر من خلفهم، أي أنهم لا بديل أمامهم سوى القتال حتى النصر على العدو.
ولا بدّ أن الأوروبيين يقفون موقف جنود طارق بن زياد وهم يواجهون الروس هذه الأيام، وللمرة الأولى منذ أن أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه في أوكرانيا في الرابع والعشرين من شهر فبراير عام 2022.
أقول للمرة الأولى لأنهم لم يقفوا هذا الموقف منذ إطلاق الحرب حتى العشرين من يناير من السنة الماضية، عندما دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض للمرة الثانية في بدء ولايته الجديدة.
قبلها كان الساسة في القارة الأوروبية يستندون في مواجهة الروس إلى جدار أمريكي قوي، وكان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن يوفر هذا الجدار، وكان يتصرف على أساس أن بين بلاده والأوروبيين تحالفاً تاريخياً منذ الحرب العالمية الثانية، وأنه ملتزم بالدفاع عنهم ضد أي خطر كما التزم الرؤساء الذين سبقوه إلى مكتبه البيضاوي.
نام الأوروبيون على الوسادة الأمريكية الناعمة التي أتاحها بايدن ثلاث سنوات تقريباً، ولم يتوقعوا ولا حتى في الخيال أن يأتي ترامب فيسحب الوسادة، ثم يقلب المعادلة بين بلاد العم سام والقارة العجوز بطريقة درامية أطارت النوم من عين كل سياسي أوروبي ولا تزال.
وللمرة الأولى على مدى ثمانية عقود منذ انتهاء الحرب الثانية، يشعر الأوروبيون بأن الولايات المتحدة تتخلى عنهم، وأن عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم. وبمنطق طارق بن زياد، فإنهم يقفون بينما ظهورهم للمحيط، أما العدو المتمثل في الروس فهو أمامهم.
وطوال العقود الثمانية كانت فرنسا من بين دول القارة كلها تحاول أن تجد لها موقفاً مستقلاً عن الولايات المتحدة، وكانت رغم عضويتها في حلف الناتو الذي تتربع واشنطن على رأسه، ترى أن لها من التاريخ، والثقافة، والحضارة، ما يجعلها أمة لها استقلاليتها عن السياسة الأمريكية المتبعة تجاه الأوروبيين في العموم.
أما الرئيس الأمريكي فكان يرى ولا يزال أن بلاده تتحمل العبء الأكبر في الحلف، وأن دول القارة مدعوة إلى أن تساهم في تحمل العبء برفع ميزانية الدفاع على مستوى كل دولة فيها، وأن يصل الإنفاق العسكري إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في كل عاصمة أوروبية، وقد استجابت جميعها بما فيها باريس إلا مدريد.
وكانت العواصم الأوروبية وهي توافق على ما دعاها إليه ترامب تتصور أنه سوف يحافظ على ما بين الطرفين من تحالف تاريخي على المستوى العسكري بالذات، لولا أنه في كل موقف يطرأ على العلاقة بينهما كان ينحاز إلى الروس في حربهم ضد الأوكرانيين من دون مبرر مقنع.
ولأن الأوروبيين يعتبرون حرب روسيا ضد أوكرانيا هي ضد أوروبا كلها في الأساس، فإنهم وجدوا أنفسهم في هذا الموقف الذي لا يحسدون عليه، وبدأوا يفكرون في أحد خيارين: إما أن يحزموا أمرهم ويقرروا عدم الاعتماد على الولايات المتحدة مرة أخرى، وإما أن يغازلوا ترامب حتى تنتهي السنوات الثلاث المتبقية له في البيت الأبيض على خير.
وكانت فرنسا ولا تزال تميل إلى الخيار الأول، ولذلك لم يكن غريباً أن يقول وزير خارجيتها خلال لقائه السنوي مع سفراء بلاده قبل أيام: إن فرنسا من حقها أن تقول «لا» للولايات المتحدة الأمريكية عندما ترى أنها تتصرف بطريقة غير مقبولة.
وكانت هذه العبارة على لسان وزير الخارجية الفرنسي استكمالاً لما قاله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن أن واشنطن تتخلى تدريجياً عن حلفائها التاريخيين في أوروبا.
وما كادت أيام تمر على تصريح الوزير الفرنسي حتى كان هو نفسه قد عاد فأعلن أن باريس سوف تفتتح قنصليتها في جزيرة غرينلاند في السادس من فبراير المقبل، وأن هذه الخطوة مقررة من جانب فرنسا منذ ما يزيد على السنة.
ولا بد أن قرار القنصلية سوف يزيد من الفجوة بين فرنسا والولايات المتحدة، لأننا نعرف أن الرغبة في ضم الجزيرة للولايات المتحدة تستبد بالرئيس الأمريكي يوماً بعد يوم، ولا يكاد يمر يوم جديد إلا ويعبر عن هذه الرغبة الجامحة بأسلوب مختلف وطريقة مغايرة.
وليست «لا» التي أطلقها وزير الخارجية الفرنسي سوى آهة أوروبية في مواجهة الولايات المتحدة، التي لا تبالي بما يظهره الأوروبيون من وساوس ومخاوف في الملف الروسي الأوكراني.
ولا بد أن قرار القنصلية هو أول رد أوروبي عملي على ما يقوله ترامب عن حق بلاده في الجزيرة، ولا تزال في القصة بقية سوف يتابعها العالم ونتابعه معه، وبكل ما فيها من تشويق وإثارة!