اضطرت سلسلة مقاهي «ستاربكس»، إلى معاقبة أحد موظفيها في ولاية بنسلفانيا بعدما تسرع بطلب الشرطة للتعامل مع شخصين من ذوي البشرة السمراء لم يطلبا شيئاً!

وبالفعل تم اعتقالهما. وانتشر الفيديو، الذي صوره خفية أحد الزبائن، بسرعة حول العالم، ثم تبين لاحقاً أنهما كانا بالفعل ينتظران زميلهما في المقهى.

هذا الاعتقال الذي وصفه المدير التنفيذي لستاربكس بـ«المشين» اضطر سلسلة المقاهي إلى تصرف غير مسبوق بتاريخها، حسب علمي، وذلك بالإعلان عن إغلاق نحو 8 آلاف مقهى في يوم 29 مايو 2018 في محاولة لتقديم تدريب مكثف لنحو 175 ألف موظف على كيفية التعامل مع الزبائن من دون تمييز أو للحيلولة دون «التحيز غير المقصود».

ويجدر بهذه الحادثة أن تدخل تاريخ أدبيات الإدارة وتدرس كحادثة أو case study في كليات الأعمال وربما تخصصات العلاقات العامة، لأنها خسارة هائلة لملايين العوائد التي ستذهب سدى بسبب إغلاق تلك المتاجر لتصرف موظف بسيط.

ربما يعد هذا التصرف بسيطاً غير أنه في الواقع نوع من التحيز أو «التمييز الخفي» أو ما يطلق عليه بالإنجليزية «microaggressions» والذي يعد نوعاً من الإهانة غير المباشرة سواء بالإشارة أو القول وقد تتطور إلى ما هو أسوأ ربما مثلما حدث في ذلك المقهى وغيرها من ملاسنات حادة.

ومن صور التمييز الخفي الذي يجرح متلقيه بدرجة أو بأخرى، مثل أن يقول أحدنا لآخر: «أراك تتحدث لهجتنا المحلية بطلاقة» (باعتباره أجنبياً) ثم نفاجأ بأنه من أهل البلد ومن مواليدها، أو أن نقول لموظف صغير مجتهد، هل يمكنني التحدث مع مديرك؟

وكأننا لا نراه أهلاً حتى للإجابة عن سؤال بسيط! وأذكر جيداً تلك اليابانية التي قال لها شاب عربي: هل أنت صينية أم كورية فغضبت وقالت بحدة: يبدو أنك لا تعرف الشعوب بل أنا يابانية! سألها عن دواعي غضبها فقالت: نحن ملامحنا أجمل، لكن يبدو أنها اعتبرت كلامه تقليلاً من شأنها.

وكان الأحوط أن يطرح السؤال المهذب: من أي بلد حضرتك؟ وهذا يذكرني بالحادثة التي أشعلت فتيل غضب باكستاني حينما قال له عربي، هل أنت هندي، فَنَسِي أن هناك نزاعاً اجتماعياً وسياسياً طاحناً بين البلدين، ما زال راسخاً في ذهن الأول. وربما نسي ذلك العربي أن كل إنسان يفخر بأمته.

مشكلة التمييز الخفي أن ظاهره بسيط ولا يرقى لتطبيق عقوبة لكنه قد يجرح مشاعر البعض، مثل أن ترفض الجلوس بالطائرة إلى جانب شخص تراه أقل شأناً من فخامتك! غير أن نظرة الازدراء التي يرمقنا بها من حولنا قد يكون وقعها أكبر من أي عقوبة.

هناك من لا يحضر حفل زفاف لأنه يعتبر أحد الزوجين «ليسوا من مواخيذنا» أي من فئة اجتماعية يزدريها. أي جرح يحدثه هذا السلوك حينما يصل إلى المعني أو أحد أقربائه. هنا تكبر دائرة التمييز الخفي مثل كرة الثلج الهائلة فتضرب أعداداً أكبر.

ولذا كان الحل بعدم البوح بتلك المشاعر البتة. ونسيان أي مواقف سابقة ولدت ذلك الشعور. ولذا لا غرابة أن نقرأ عن قانون «حق النسيان» مثل الحكم الذي أصدرته محكمة بريطانية ضد عملاق محركات البحث غوغل تطالبها بمسح (نسيان) معلومات مرتبطة بجريمة سابقة ارتكبها الشاكي.

وكذلك فعلت محكمة العدل الأوروبية العليا عندما أصدرت حكماً لأسباني عام 2014 لنسيان بيانات مرتبطة بتاريخه المالي، وهي مساع تحاول منع الناس من الانحياز ضد المتضررين.

مشكلة التمييز الخفي أنه ينبع من تعالٍ ذاتي غير مبرر تجاه الآخرين أو ربما من مواقف أو معلومات سابقة أذكت نزعة الازدراء. وربما يمر التحيز مرور الكرام لكنه إذا تكرر فإنه يحدث جرحاً غائراً في نفوس الزملاء والأصدقاء.. وأقرب المقربين.