المعروف أن الصين قامت في أواخر عام 2018، ومن خلال شركتها «وينغتيك تكنولوجي» بالاستحواذ على حصة معتبرة من أسهم شركة «نيكسبيريا» الهولندية التي تعد من أهم الشركات المنتجة للرقائق البسيطة منخفضة الكلفة من تلك التي تدخل في صناعة كل الأجهزة الكهربائية تقريباً، بدءاً من الهواتف الخلوية، وصولاً إلى السيارات، وذلك مقابل مبلغ 3.6 مليارات دولار.

وعلى أثر ذلك قامت الصين بتعيين مواطنها «تشانغ شيويه تشينغ» على رأس «نيكسبيريا» مديراً تنفيذياً، غير أن الولايات المتحدة، التي تخوض حرباً تجارية معلنة مع الصين، لم يعجبها الأمر بطبيعة الحال، فوسعت في أواخر سبتمبر 2025 نطاق قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات لتشمل شركة وينغتيك تكنولوجي الصينية، للحيلولة دون تعاون «نيكسبيريا» معها بسبب مخاوف من انتقال تكنولوجيا الرقائق الحساسة إلى الصينيين، وهو ما حدا بالحكومة الهولندية في أكتوبر 2025 للتدخل الإداري بإيقاف مدير الشركة الصيني عن العمل، وتعيين المدير المالي للشركة الهولندي «ستيفان تيلغر» مكانه، تفادياً لأي خلافات مع واشنطن، ومنعاً لخضوع «نيكسبيريا» بالكامل للتوجهات الصينية.

وقتها وصف وزير الشؤون الاقتصادية الهولندي «فينسنت كاريمانز»، القرار بأنه كان ضرورياً، في حين نظرت بكين إلى القرار بأنه تدخل هولندي حكومي سافر في الشؤون الداخلية لشركة «نيكسبيريا»، قد ينجم عنه أزمة عالمية في سلاسل توريد الرقائق وأشباه الموصلات، تتحمل مسؤوليتها هولندا وحدها. وبالفعل أثار النزاع مخاوف كثيرة، ولا سيما لدى شركات السيارات العالمية التي تعتمد بشكل كبير على شرائح «نيكسبيريا» الأساسية، من احتمال تعطيل الإنتاج العالمي للسيارات.

من هنا نشأت أزمة سياسية ودبلوماسية وتجارية آخذة في التصعيد بين الحكومتين الصينية والهولندية، لا سيما مع اقتراب موعد قرار اتخذته «نيكسبيريا» بنقل عملياتها من الصين إلى ماليزيا.

والجدير بالذكر في هذا السياق أن البلدين عقدا اجتماعات في نوفمبر لحل خلافاتهما، على الرغم من اتهام وزارة التجارة الصينية لهولندا بأنها متقاعسة ولا تظهر أي شعور بالمسؤولية تجاه أمن صناعة أشباه الموصلات وسلاسل توريدها وتقليل الاحتكاكات.

هذا ناهيك عن اتخاذ بكين خطوات انتقامية تمثلت في تقييدها صادرات منتجات الرقائق الإلكترونية المصنعة في الصين من قبل شركة «نيكسبيريا»، رداً على إيقاف الشركة لشحناتها من رقائق السيليكون إلى مصنعها في دوينغقو الصينية بسبب عدم سداد الصينيين مستحقات الشركة.

ومع نفاد صبرها، ارتأت بكين أن تتعامل مع القضية بالوسائل القانونية بدلاً من الطرق الدبلوماسية، فأرسلت إشعاراً بالنزاع إلى الحكومة الهولندية تتهمها فيه بانتهاك اتفاقية عام 2001 بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين الصين وهولندا.

وكان من نتائج هذا الأسلوب في التعاطي مع القضية، أن وعدت هولندا بأن الأزمة سوف تحل ودياً على مستوى الشركات. غير أن شركة وينغتك تكنولوجي أكدت في 28 نوفمبر الفائت، أن هولندا أخلّت بوعودها ولم تسمح لها باستعادة سيطرتها على شركة «نيكسبيريا» الأم.

كما أكدت وينغتك تكنولوجي أن «نيكسبيريا» ماضية في خططها لاستثمار أكثر من 300 مليون دولار لبناء مصنع جديد لها في ماليزيا بهدف نقل نحو 90 بالمائة من طاقتها الإنتاجية إلى خارج الصين بحلول منتصف العام الجاري. وهذا إن حدث، فمعناه إخراج الصين من سلاسل توريد رقائق «نيكسبيريا» واستبدالها بماليزيا، وهو يعني أيضاً أن وحدة «نيكسبيريا» في الصين سوف يقتصر عملها على تلبية الطلب المحلي فقط، في حين سيتم نقل معظم الطاقة الإنتاجية إلى الخارج.

وأشارت مصادر حكومية صينية إلى أن الهولنديين خططوا منذ وقت طويل لزيادة الإنتاج بشكل كبير من ماليزيا، بدليل أنهم سعوا للحصول على تفويض قضائي لمدة عام لضمان سيطرتهم الكاملة على شركة «نيكسبيريا» وإيقاف مديرها التنفيذي الصيني عن العمل، كي لا يعرقل خططهم.

ويقول المراقبون إنه حتى لو سمحت هولندا لشركة وينغتك تكنولوجي الصينية بعد عام باستعادة سيطرتها على «نيكسبيريا»، كما تطلب بكين، فإن سلسلة التوريد الماليزية ستكون جاهزة وقتذاك.

في مثل هذه المنازعات، بإمكان الصين من خلال شركتها «وينغتيك تكنولوجي» أن تلجأ إلى التحكيم الدولي، لكن مثل هذا الإجراء سوف يستغرق سنوات عدة. ومن ضمن الحلول الأخرى أن تطالب الصين بتعويضات عن خسائرها تصل إلى 8 مليارات دولار، مضافاً إليها المبلغ الذي دفعته شركة وينغتيك للاستحواذ على نيكسيبيريا (3.6 مليارات دولار).

وفي حال رفض هولندا الاستجابة، فيمكن للصين أن تصادر الأصول الهولندية الموجودة على أراضيها، خصوصاً أن القانون الصيني يسمح لها بذلك، وتكبد هولندا خسائر كبيرة، كون الصين أكبر سوق في العالم للرقائق الإلكترونية، وأحد المتحكمين البارزين في سلاسل توريدها على مستوى العالم.