لم يعد الوعي المجتمعي نتاجاً طبيعياً للتجربة الإنسانية كما كان في السابق، بل أصبح – في كثير من الأحيان – نتيجة هندسة فكرية ناعمة تمارس على المجتمعات والأجيال عبر سلوكيات مستحدثة، ومفاهيم تُعرض بوصفها تطوراً أو تحرراً أو معاصرة، بينما تحمل في عمقها أهدافاً خفية تخدم جهات مستفيدة سياسياً أو اقتصادياً أو أيديولوجياً.

تشير تقارير دولية حديثة إلى أن الفرد العادي يتعرض يومياً إلى آلاف الرسائل الإعلامية مباشرة وغير مباشرة، مقارنة بنحو عشرات الرسائل في ثمانينيات القرن الماضي، هذا التدفق الهائل لا ينقل المعلومات فحسب، بل يعيد صياغة القيم، ويؤثر في السلوك، ويغير دلالات المفاهيم دون وعي المتلقي.

بين القيم المفروضة والقيم المكتشفة فرق جوهري، قيم تُغرس بالتكرار، والخوف من العزلة، وضغط الرأي العام، وقيم تتكوّن عبر التعلم، والتفكر، والتجربة، والبحث في فلسفة الحياة ومعنى الوجود. وهذا يقود إلى مفهوم الأنومي (Anomie)، أي حالة فقدان المعايير، حين تنفصل القيم عن جذورها الأخلاقية وتتحول إلى أدوات وظيفية تخدم النظام السائد، وهذه الحالة نعيشها اليوم بصورة أكثر تعقيداً، حيث لا يطلب من الفرد الإيمان بالفكرة، بل الامتثال لها سلوكياً، حتى دون فهمها.

صناعة السلوك قبل صناعة القناعة

في عالم الاتصال الحديث، لا يستهدف العقل أولاً، بل السلوك «الوسيلة هي الرسالة»، أي أن طريقة نقل الفكرة أخطر من الفكرة نفسها.

حين تقدم القيم عبر منصات ترفيهية، أو مؤثرين، أو محتوى سريع الاستهلاك، فإنها تتسلل دون مقاومة، وتتحول مع الوقت إلى سلوك طبيعي، ثم إلى معيار اجتماعي، ثم إلى قناعة زائفة.

وتكشف دراسات سلوكية أن أكثر من 70% من القناعات الجديدة لدى فئة الشباب لا تأتي من التعليم النظامي، بل من المحتوى الرقمي غير المنهجي، وهو محتوى لا يخضع غالباً لأي إطار أخلاقي أو ثقافي محلي.

من يستفيد؟

السؤال الذي يغيب عن الوعي الجمعي: من المستفيد من هذا التحول؟

الاقتصاد الاستهلاكي، على سبيل المثال، يحتاج إلى إنسان سريع الملل، ضعيف الجذور، متقلب القيم، سهل التوجيه،

وهذا أخطر أشكال الاستسلام، هي أن تعتقد أنك حر بينما تقاد أفكارك من الخارج. الوعي بوصفه مقاومة هادئة، الوعي الحقيقي لا يقوم على الرفض المطلق، ولا على معاداة التغيير، بل يقوم على التمييز بين التطور والتفريغ القيمي وبين الحرية والفوضى وبين الحداثة والاقتلاع. الإنسان الواعي لا يسأل: ماذا يطلب مني أن أكون؟ بل يسأل: لماذا؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟

التاريخ لم يصنع يوماً بالجماهير المنقادة، بل بالأفراد الذين توقفوا لحظة واحدة ليفكروا.

في زمن السرعة والضجيج، يغدو التفكر شجاعة، ويصبح الوعي أرقى صور المسؤولية المجتمعية.

لم يعد السؤال اليوم: بماذا نؤمن؟

بل أصبح السؤال الأخطر: من يحدد لنا كيف نعيش، وكيف نفكر، وكيف نحكم على الأشياء؟

في مجتمعاتنا العربية، نلاحظ خلال السنوات الأخيرة تغيراً متسارعاً في السلوكيات اليومية، ليس بالضرورة كونها نابعة من تطور طبيعي، بل لأنها سلوكيات مستحدثة تم تبنيها بسرعة، أحياناً دون نقاش، وأحياناً دون إدراك آثارها بعيدة المدى، إذ إنه في الكثير من مدننا العربية قد تغيّرت مفاهيم النجاح من البناء المتدرج إلى الثراء السريع وتغير مفهوم القدوة من صاحب العلم أو الخبرة إلى صانع محتوى بعدد المشاهدات، وتحول الاستهلاك من حاجة إلى أسلوب حياة، حتى أصبح التباهي بما نملك أهم من فهم لماذا نملكه.

تشير دراسات اقتصادية إقليمية إلى أن نسبة إنفاق الأسر العربية على الكماليات ارتفعت بأكثر من 35% خلال العقد الأخير، بينما لم ترتفع مؤشرات الادخار أو الاستثمار المعرفي بالمعدل نفسه، هذه الأرقام لا تعكس تحسن دخل بقدر ما تعكس تحولاً في الوعي الاستهلاكي.

لا أحد يفرض اليوم فكرة بالقوة، بل تزرع عبر التكرار في الإعلانات - في الدراما - في وسائل التواصل – «الترند»ومع الوقت، يتحول ما كان مرفوضاً اجتماعياً إلى «أمر عادي»، ثم إلى «حرية شخصية»، ثم إلى معيار يحاسب من يخالفه «المشكلة ليست في الاستعمار، بل في القابلية للاستعمار».

ويمكن إسقاط هذا المعنى اليوم على الوعي؛ فالمشكلة ليست في الأفكار الوافدة، بل في قابلية المجتمع لتبنيها دون تمحيص.

ولهذا نرى أحياناً قضايا ثانوية تشغل الناس لأسابيع، بينما القضايا الأساسية المهمة تمر دون نقاش عميق.

الوعي ليس رفضاً ولا انغلاقاً، بل اختيار واعٍ يميّز بين ما يلائمنا وما يُفرض علينا، مع انفتاح يحفظ الجذور؛ فمن لا يملك وعيه لا يملك قراره، ووعي المجتمع يُقاس بما يفهمه وينقده ويختار قبوله أو رفضه. وفي زمن السرعة، يصبح التفكير الهادئ عملة نادرة، ويصبح الوعي مسؤولية فردية قبل أن يكون مشروعاً جماعياً.

فالوعي... ليس ترفاً فكرياً، بل حماية للمجتمع، وبصمة تترك في المستقبل.