رعاية كبار السن والرعاية طويلة الأمد... استعداد مبكر لمستقبل ديموغرافي مختلف

تتغير المجتمعات بهدوء، لكن أثر التحول الديموغرافي لا يكون هادئاً دائماً، ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتحسن جودة الحياة، تتقدم رعاية كبار السن من هامش السياسات الصحية إلى قلبها، لتصبح أحد أهم مؤشرات نضج أي نظام صحي.

وحلمي للإمارات — بدافع حبٍ عميق وإيمانٍ راسخ — أن تكون الدولة التي تستبق الشيخوخة، ولا تنتظر تبعاتها، وتبني منظومة رعاية طويلة الأمد، تحفظ كرامة الإنسان، كما حفظت له الحياة، وتتعامل مع التقدم في العمر، بوصفه مرحلة قيمة لا مرحلة عبء.

التحول الديموغرافي بالأرقام

تشير البيانات السكانية المحلية والدولية، إلى أن الإمارات ستشهد تحولاً ديموغرافياً متسارعاً خلال العقود المقبلة، فبينما لا تتجاوز نسبة من هم فوق سن 60 حالياً أرقاماً محدودة، مقارنة بدول متقدمة، تُظهر التوقعات أن هذه النسبة قد تقترب من 25–30 % بحلول عام 2050، مدفوعة بارتفاع متوسط العمر المتوقع، الذي تجاوز 80 عاماً.

هذا التحول ليس أزمة صحية، بل نجاح تنموي، يعكس تطور الرعاية الصحية وجودة الحياة، لكن هذا النجاح، إن لم يُدر بتخطيط ذكي واستباقي، قد يتحول إلى ضغط على النظام الصحي والاجتماعي والاقتصادي.

الشيخوخة ليست مرضاً... إن أُديرت بوعي

الرعاية طويلة الأمد لا تعني دور إيواء أو حلولاً مؤسسية جامدة، بل منظومة متكاملة، تشمل: الرعاية الصحية المنزلية، والتأهيل والتمريض المجتمعي، والدعم النفسي والاجتماعي، والإدارة المتقدمة للأمراض المزمنة، وتمكين كبار السن من الاستقلالية أطول فترة ممكنة.

الدراسات الدولية تؤكد أن أكثر من 70 % من كبار السن يفضّلون البقاء في منازلهم، بدل الانتقال إلى مؤسسات رعاية، إذا توفرت لهم خدمات طبية واجتماعية داعمة، وهذا ما يجعل الاستثمار في الرعاية المنزلية والنهارية أكثر فاعلية إنسانياً، وأقل كلفة على المدى الطويل.

الإمارات... نموذج يحفظ الكرامة قبل الخدمة

اتخذت دولة الإمارات خطوات تشريعية ومؤسسية رائدة لصون كرامة كبار السن، وفي مقدمها: قانون حقوق كبار المواطنين (2019)، الذي يضمن الرعاية الصحية والاجتماعية، والحماية من الإساءة، والأولوية في الخدمات، والسياسة الوطنية لكبار المواطنين، التي تضمنت عشرات المبادرات الصحية والاجتماعية والنفسية، ومبادرات مثل بطاقة ذخر في دبي، وبطاقة بركتنا في أبوظبي، التي وفّرت تسهيلات صحية وخدمية ومجتمعية واسعة، وبرامج الرعاية المنزلية، والوحدات المتنقلة، ومراكز النهار، التي أعادت تعريف مفهوم الرعاية بعيداً عن العزل المؤسسي.

هذه الجهود لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بالفلسفة التي تقف خلفها: تكريم من صنعوا الحاضر، لا إدارة شيخوختهم فقط.

وماذا عن المقيمين بعد التقاعد؟

من القضايا التي يجب التعامل معها، رعاية كبار السن من المقيمين غير المواطنين، حيث تشير استطلاعات حديثة إلى أن نحو 70 % من المقيمين يفضّلون قضاء مرحلة التقاعد في الإمارات، لما توفره من أمان وجودة حياة، وقد خطت الدولة خطوة مهمة، عبر تأشيرة التقاعد طويلة الأمد، لكن يتعين على الراغبين في التقاعد في الدولة، التخطيط بشكل مبكر، لضمان التمتع بالرعاية الصحية لدى تقاعدهم.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى: نماذج تأمين صحي مخصصة لما بعد التقاعد، وبرامج ادخار صحي اختيارية خلال سنوات العمل، وشراكات مع القطاع الخاص، لضمان رعاية عادلة ومستدامة.

حل هذا الملف لا يخدم المقيمين فقط، بل يعزز صورة الإمارات كنموذج حضاري شامل، يحترم من عاش فيها.

ماذا نتعلم من اليابان والدول الإسكندنافية؟

اليابان، حيث تجاوزت نسبة كبار السن 27 % من السكان، واجهت التحدي مبكراً، عبر نظام تأمين رعاية طويلة الأمد، شامل وممول جزئياً من الدولة، يركّز على الرعاية المنزلية والتأهيل، بدل الإقامة الطويلة في المستشفيات.

أما الدول الإسكندنافية، فتعتمد نموذجاً يقوم على: تمويل حكومي للرعاية طويلة الأمد، وخدمات منزلية واسعة، ومراكز نهارية مجتمعية، وسقف مالي منخفض يتحمله المسن.

هذه النماذج أثبتت أن الاستثمار المبكر في الرعاية طويلة الأمد، يقلل كلفة العلاج الحاد بنسبة تصل إلى 25–30 % على المدى المتوسط.

نموذج إماراتي للمستقبل

الإمارات قادرة — بما تملكه من مرونة تشريعية، وبنية رقمية، وقدرة على الابتكار — على تقديم نموذج خاص يقوم على: رعاية منزلية ذكية مدعومة بالتقنية، ودمج الرعاية الصحية والاجتماعية في مسار واحد، وإشراك الأسرة كشريك أساسي، واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالاحتياجات الصحية قبل تفاقمها.

هذا النموذج لا يحمي النظام الصحي من الضغط فقط، بل يحفظ الإنسان من العزلة، ويصون كرامته، ويعزز دوره داخل المجتمع.

رعاية كبار السن ليست بنداً إنفاقياً، بل مرآة أخلاق المجتمع، ومؤشر نضجه الإنساني.

وحلمي أن تكون الإمارات الدولة التي تثبت للعالم قولاً وفعلاً:

من يُحسن رعاية من صنعوا الحاضر... يستحق أن يقود المستقبل.

المقال القادم (14/15):

الإعلان الصحي المضلل... جريمة لا دعاية