يستخدم الباحثون مصطلح «التقنيات ذات الاستخدام المزدوج»، لوصف أدوات صُمّمت أساساً لأهداف نبيلة، لكنها تحمل في بنيتها إمكانية إساءة الاستخدام أو الانحراف عن غاياتها العلاجية.

وفي مجال علوم الأعصاب، يتجسد هذا المفهوم بشكل واضح وحساس، لأن موضوعه المباشر هو الدماغ البشري، مركز الوعي والإرادة والذاكرة والقرار.

التحفيز العصبي غير الجراحي، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)، أو التحفيز الكهربائي المباشر (tDCS)، يُستخدم اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا لعلاج الاكتئاب المقاوم للأدوية، واضطرابات القلق، وتسريع التعافي بعد الجلطات الدماغية.

هذه التقنيات تُعد آمنة نسبياً، عند استخدامها في العيادات، وتحت إشراف طبي، لكنها في جوهرها قادرة على التأثير المؤقت في الانتباه والمزاج وسرعة اتخاذ القرار.

هذا التأثير، وإن كان علاجياً في السياق الطبي، يثير سؤالاً أخلاقياً خطيراً: ماذا لو استُخدم خارج الإطار العلاجي؟

في بعض الجامعات في بريطانيا وكندا، جرت تجارب لتحسين التركيز لدى طلاب أصحاء، باستخدام التحفيز الكهربائي الخفيف، بهدف رفع الأداء الأكاديمي.

وفي الصين، أُجريت أبحاث حول استخدام تقنيات مشابهة لتحسين سرعة التعلم والانتباه لدى الأطفال، ما فتح نقاشاً واسعاً حول الفرق بين العلاج والتعزيز.

أما في الولايات المتحدة، فقد استُخدمت تقنيات التحفيز العصبي العميق (DBS)، لعلاج مرضى باركنسون والاكتئاب الحاد، لكنها أظهرت في بعض الحالات تغيرات غير متوقعة في الشخصية والدوافع، وهو ما دفع لجان الأخلاقيات إلى إعادة تقييم حدود هذا التدخل.

لا يعني ذلك أن هذه التقنيات تُستخدم حالياً للإكراه أو السيطرة، بل إن الخشية تكمن في الإمكانية الكامنة فيها، لا في ممارستها الراهنة.

فالتاريخ العلمي يعلّمنا أن ما يمكن فعله تقنياً، قد يُفعل يوماً ما إذا غابت القوانين والرقابة والوعي المجتمعي.

لهذا السبب، برزت «أخلاقيات الأعصاب» كمجال عالمي متنامٍ في أوروبا وأمريكا واليابان، يسعى إلى وضع خطوط فاصلة بين العلاج، والتحسين، والتلاعب.

فالعلم، مهما بلغ من الدقة، لا يكون محايداً إذا انفصل عن منظومة القيم، لأن التقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بما نستطيع فعله، بل بما ينبغي أن نفعله.