في رحلة البحث عن كينونة المجتمعات، أجد نفسي دائماً أمام سؤال محوري: كيف تحافظ الأمم على حرارة روحها في زمن العولمة السريع؟ والإجابة التي تقدمها دولة الإمارات، من خلال مشاهدها الثقافية التراثية المتوهجة، والتي تكاد تكون درساً عالمياً في «فن الاستمرار الحي».

فها هي ذي أبوظبي ودبي والشارقة، وإمارات الدولة كافة تتحول، مع كل شتاء، إلى ورشة مفتوحة لفلسفة الوجود الهوياتية، حيث يتحد الاحتفاء مع التفكير، وتتلاحم الفرجة مع التعمق.

كما نعلم، فإن مهرجان الشيخ زايد، في منطقة الوثبة، هو التجمع الترفيهي الأضخم الذي تنامى كونه مشروعاً أنثروبولوجياً متكاملاً ومكثفاً، فهذا الفضاء الإماراتي الشاسع، الموشّى بالقرى التراثية والأجنحة العالمية والعروض الضوئية الباهرة، هو في الحقيقة مسرح حي لإعادة إنتاج الذاكرة، فهو يقدم التراث كونه أرشيفاً حياً في الفضاء المفتوح، و«نصاً مفتوحاً» على الحاضر، وحين تتجول بين البيئات الإماراتية المتنوعة تشتم رائحة الماضي كله، ثم تلتفت لترى حواراً بصرياً مع الحداثة، بالطبع نفهم المغزى من الرؤية التي رسمها الوالد المؤسس، المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهي أن الهوية الإماراتية شجرة تنمو نحو السماء، والتي تتفتح لكل رياح الثقافات وتثبت في أرضها راسخة، فنجد أن فلسفة «الحكمة والاستدامة» تتجسد في كل تفصيلة من المهرجان، مؤكدة أن حكمة الأجداد في التعايش مع الصحراء والبحر هي العقلية نفسها المطلوبة اليوم للتعايش مع العالم، وأن استدامة القيم كالتسامح والكرم هي الضمان الوحيد لاستمرارية أمة تؤمن بأنها هدية للبشرية.

وفي قلب أبوظبي التاريخي، حيث يقف قصر الحصن شامخاً كونه أقدم شاهد على التاريخ، فترى المبنى الحجري خلال مهرجان الحصن الذي سينطلق من 17 يناير إلى 1 فبراير 2026، قد أصبح جسداً دافئاً ينبض بالحياة، فتفهم الدرس العميق، وهو أن التراث المادي وعاء للروح الجمعية قبل أن يكون تحفة معمارية، وحسب ذكرياتي في هذا المكان، تتحول جدران القصر إلى صفحة تُقرأ، وساحاته إلى مسرح تُروى عليه الحكايات.

وكوني باحثة، كنت دائماً أجد فعاليات الضيافة والحرف طقوساً معاصرة للتواصل، فعندما أشاهد يدي حرفية تشكل الطين أو تحيك الصوف، وأتذوق طبقاً تقليدياً، أشعر أنني أشارك في إحياء ذكرى حسية تربط جسدي بجسد الأجداد.

إنه اختراق للزمن، حيث يصبح الماضي شريكاً حاضراً في صياغة وعي اللحظة، والمكان تحول إلى ذاكرة مشتركة بالممارسة.

ويرتبط هذا الجهد الحسي ارتباطاً وثيقاً بالجهد الفكري، ففي مكتبات دبي والشارقة، تتنفس المخطوطات النادرة وسط «ملتقى المكتبات الإماراتية»، ونكتشف سلطة الكلمة في صناعة الخلود، وهذه الرفوق والكتب هي وعي الأمة المتجسد.

كل مخطوطة تتصفحها في هذه المعارض تشعر بها كنافذة مفتوحة على حوارات فلسفية وعلمية بدأت قبل قرون ولا تزال تنتظر إجاباتنا.

الحفاظ عليها هو حماية للعقل الجمعي، والوعي بها هو إدراك أن هويتنا عملية قراءة مستمرة لنصوص تأسيسية؛ لأن اللغة العربية وكذلك الكلمة المكتوبة، كما تحدثت في مقالات سابقة، هما جسر وأداة لمقاومة النسيان وربط الزمن الشخصي بالسردية الكبرى للأمة.

تكتمل هذه السردية في مشاهداتي ومتابعاتي في «اليد»، هذه المعجزة التي حفظت الحكمة عبر الأجيال، لأن هذه اليد الإماراتية الصانعة الحنون هي بطل ورش «السدو» والفخار والخط، سواء المنتشرة في مهرجان الظفرة أم في بيت الحرفيين، وفي كل أنواع الصناعات التقليدية الإماراتية، التي أصر دائماً أن أسميها بالصناعات الشعبية، حيث يحدث السحر الحقيقي، فهذه الحرف هي تكنولوجيا روحية اخترعها الأجداد لترميز علاقتهم بالكون.

كل عقدة في نسيج السدو تحمل قصة عن الصبر، وكل إناء فخاري يحمل فلسفة عن الفراغ والممتلئ.

وعندما ننقل هذه المهارات للناشئة، كما تهدف هذه الورش، فإنك تنقل علاقة وجودية مع العالم، هذه «اليد» المباركة هي التي تشكل الطين، هي نفسها اليد الإماراتية التي تبني المستقبل، وهذه الممارسة هي أصدق أشكال المقاومة ضد ضياع الهوية وتبديدها.

من كل هذه المشاهد، أستخلص قناعتي: ما تقوم عليه الإمارات هو استراتيجية وجودية عميقة لصناعة الهوية.

إنها تعلمنا أن الهوية تُصان بالتجديد الحي في ساحات الحياة، «التراث هو البوصلة التي نصنع بها مستقبلنا»، وهو ينادي علينا بلغة المهرجانات والملتقيات، من يريد أن يكون له غد، فعليه أن يحافظ على صدق أمسه، بإشعال شعلته من جديد في كل جيل.

هذه هي معجزة الاستمرار، وهذه هي حكمة الإمارات التي تقدم للعرب والعالم نموذجاً.

أن تكون أصيلاً يعني أن تكون حياً، وأن تكون حياً يعني أن تكون قادراً على الحوار مع كل العصور.