الاصداء الايجابية واجواء الترحيب التي حظي بها خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني امام المشاركين في اعمال الدورة العادية الثامنة والستين للجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك يوم أمس، ما تزال تتردد في الاوساط الشعبية والحزبية والاعلامية الاردنية كما الاوساط السياسية والدبلوماسية والاعلامية الاقليمية والدولية وبخاصة في تثمين هذه الاوساط لما انطوى عليه خطاب جلالته من مضامين وطنية وقومية تنتصر لحقوق الأمة وحرية شعوبها وتسعى الى تعميم ثقافة الحوار ونبذ العنف والتأكيد على ان الدولة الاسلامية الحديثة ينبغي ان تكون دولة مدنية قائمة على المؤسسات وعلى دستور جامع يرتكز على سيادة القانون والعدالة وحرية الرأي والعبادة فضلاً عن كون الدولة الاسلامية الحديثة هي الدولة التي تدعم المساواة بين مختلف الاطياف العرقية والدينية.

نحن إذاً أمام خطاب ملكي جامع وشامل وواضح يذهب الى الموضوع مباشرة في تشخيص دقيق وعميق ودعوة صادقة الى التعاطي مع الملفات الاقليمية بجدية ومسؤولية في ظل حقيقة دأب جلالته على تذكير العالم بها وهي ان مستقبل الأمن العالمي سيتشكل بناء على ما يجري حالياً في الشرق الاوسط كما انه يمكن للمنطقة ان تكون بيتاً للسلام والازدهار بوجود ركائز قوية من الحكم الرشيد وفرص متاحة أمام الجميع خصوصاً لشبابنا، وهذا هو البيت الاردني الذي نعمل على بنائه.

من هنا جاءت اشارة جلالته الى التحول التاريخي الذي تمر به منطقتنا لتضيء على جانب مهم وحيوي من رؤية جلالته لمآلات مسيرة الاصلاح، وهي ان هذا التحول التاريخي لن يصل الى مبتغاه عبر الوصفات الجاهزة وانما عندما يشعر المواطنون جميعاً بأنهم ممثلون تمثيلاً حقيقياً, وبيتنا الاردني الذي نعمل على اعلاء بنيانه هو بيت المستقبل الجامع الذي يقوم على اسس ومبادئ متينة من اجماع الاغلبية وحماية حقوق الاقلية والثقافة والديمقراطية المرتبطة بالمواطنة الفاعلة والتغيير السلمي التدريجي.

الصورة الشاملة للمشهد السوري الذي اضاء عليها جلالة الملك كانت معبرة على طبيعة الازمة التي تعصف بسوريا والتي كان جلالته حاسماً في الدعوة الى انه يجب ان يكون للشعب السوري مستقبل, ما يستوجب تحركاً دولياً لتسريع عملية الانتقال السياسي في سوريا لانهاء العنف واراقة الدماء والحفاظ على وحدة سوريا وسلامة اراضيها واشراك جميع السوريين لافتا جلالته الى مسألة مهمة وهو انه يكرر عن قصد عبارته اشراك جميع السوريين في بناء مستقبل وطنهم, في الوقت ذاته الذي رفض فيه جلالته بكل وضوح وحزم ان يتحمل الاردنيون وحدهم عبء ذلك التحدي الاقليمي والدولي المتمثل في استضافة ما بات يشكل 20% من سكان المملكة بحلول العام المقبل وهم اللاجئون السوريون الذين تدفقوا على الاردن ما اسهم في استنزاف الموارد الطبيعية والمالية والخدمية وارهاق البنى التحتية ولم تعد لدينا قدرة على مواصلة تقديم الخدمات الانسانية والاغاثية لهم بدون قدوم المساعدة الدولية بشكل عاجل كون الاضرار والاخطار في تزايد مستمر..

جملة القول ان جلالته في خطابه امام المشاركين في الدورة السنوية للامم المتحدة كان يعبر كما عادته عن امال وطموحات الشعوب العربية وحقها في الحرية والاستقلال وخصوصاً الشعب الفلسطيني الشقيق الذي طال انتظاره لنيل حقوقه وفي مقدمتها حقه في دولة مستقلة قابلة للحياة على التراب الوطني الفلسطيني وعلى اساس خطوط عام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها من خلال تسوية عادلة ونهائية قائمة على حل الدولتين وترتكز الى الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.