لم يسبق في التاريخ, حتى في اكثر الديكتاتوريات قمعا ووحشية ان استخدم الحاكم الطائرات الحربية لقصف مواطنيه العزل من اجل الاحتفاظ بسلطته, فحمام الدم الذي تشهده كل المدن الليبية اليوم لا يتصوره أي عقل, الا من كان عقله كعقل من عين نفسه ملكا لملوك افريقيا ومفتيا للعالم الاسلامي ومفكرا عالميا.

ربما تكون تأخرت ثورة الشعب الليبي كثيرا, لكن المرء حين يرى ويسمع عما يجري من مجازر وحرب ابادة حقيقية في ليبيا كلها يدرك لماذا صبر هذا الشعب كل تلك العقود على من احتكر لنفسه الحقيقة المطلقة والزعامة الطاغية القائمة على جماجم الناس وعذابات المعتقلين, واستحواذه على الثروة الوطنية في واحدة من اغنى دول العالم بالموارد الطبيعية, التي اذا تيسر لها ان تدير ثروتها بالوسائل الصحيحة لكانت الان تمتلك ما لا يقل عن 1.5 تريليون دولار كاحتياطي نقدي, اضافة الى تمتع شعبها القليل العدد بأفضل معدل معيشة في العالم, الا ان معمر القذافي استخدم تلك الثروة في تشجيع الارهاب في الكثير من الدول, وممارسة ابشع انواعه بدءا من عمليات الاغتيال ضد معارضيه مرورا بخطف قادة ومسؤولين واشهرهم الامام موسى الصدر ومرافقيه, ووصولا الى تفجير طائرة الخطوط الجوية الاميركية فوق بلدة لوكيربي السكوتلندية, ثم تدخله في التشاد ومناصرته للنظام العراقي البائد في غزوه الكويت, وانتهاء بالمجازر التي ترتكبها مرتزقته اليوم في شوارع المدن والقرى الليبية.

طوال 42 عاما من وجود القذافي في الحكم لم تشهد ليبيا اي حركة عمرانية حقيقية, ولم يجر أي تحديث للبنية التحتية, ولا توجد حتى صناعات نفطية ومصانع بتروكيماويات في هذا البلد الغني بالنفط, فقط هناك معمر القذافي واسرته التي شكلت الدولة وعلاقاتها الخارجية وفقا لمزاج ومصالح افرادها, فاذا ما خالف احد ابناء العقيد قانون دولة ما ولوحق قضائيا قطعت العلاقات معها وشنت عليها الحملات الاعلامية المسعورة.

جنون الدم المطبق على ليبيا اليوم ادانة حقيقية لكل من يتشدق بالديمقراطية وحقوق الانسان في ما يسمى العالم الحر الذي يغمض عينيه ويصم اذنيه عن صرخات الشعب الليبي ويكيل بمكيالين فيضع مصالحه مقابل دماء الابرياء, فيما يسارع قادته الى رؤية القذى في عيون بعض الدول ويسكتون عن مجازر معمر القذافي, الذي ازفت نهاية حكمه الظالم ليس بفعل الضغط الدولي غير الموجود اصلا, بل لان الدم الليبي سيغرقه, وبالتالي لن يجد دولة في العالم تستطيع تحمل وزر استضافته, حيث ينتظره مصير أبشع من مصير تشاوشيسكو وصدام حسين, بل انه سيكون امثولة تاريخية لأولئك الذين تعميهم شهوة التمسك بالسلطة عن كل شيء فيهتكون كل الأستار والحرمات.

أحمد الجارالله