ستظل أبواب الحوار مفتوحة أمام أحزاب اللقاء المشترك اليوم وغداً، وقبل الانتخابات وبعدها، باعتبار أن الحوار قيمة أصيلة وحضارية من قيم الديمقراطية والشورى، وبوسع هذه الأحزاب العودة إلى طاولة الحوار لطرح ما لديها من أجندة سواء حول التعديلات الدستورية أو أية قضايا أخرى، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك من الأمور التي تهم الوطن والمواطن.

حيث وأن التمسك بالحوار هو الوسيلة المثلى لإيجاد الحلول والمعالجات الناجعة لكل المسائل التي تتباين فيها وجهات النظر أو تكون موضع خلال بين شركاء الحياة السياسية.

وليس من مصلحة أي طرف سياسي أو حزبي القفز فوق هذه السمة الأخلاقية والديمقراطية والحضارية والبحث عن وسائل أخرى ليست مضمونة النتائج، إن لم تكن انعكاساتها أكثر ضرراً عليه وعلى وطنه ومجتمعه.

وفي الوقت ذاته فإن مشاركة هذه الأحزاب في الانتخابات النيابية القادمة هي موضع ترحيب من قبل الجميع وليس هناك على الإطلاق من يرغب في إقصائها عن المشهد السياسي أو تغييبها عن هذا المشهد، لا الحزب الحاكم ولا غيره.

ناهيك عن أن هذه الانتخابات قد تهيأت لها كل ضمانات وشروط النزاهة والشفافية، انطلاقاً من حيادية اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، التي تم تشكيلها من قضاة مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة، وانتهاءً بالرقابة الشعبية لمنظمات المجتمع المدني وكذا الرقابة الدولية عبر المنظمات المهتمة بالشأن الديمقراطي.

وبإتاحة كل هذه الخيارات أمام هذه الأحزاب، فما الداعي أصلاً لاندفاعها نحو محاولات تثوير الشارع ومحاكاة ما يحدث في بعض البلدان خاصة وأنها قد جربت هذا الأسلوب مراراً، وأهدرت الكثير من الجهد والوقت في النزول إلى مختلف مناطق اليمن، ريفاً وحضراً، إلاّ أنها لم تجد ما تخاطب به هذا الشارع أو تقنعه بصوابية هذا الموقف، الذي أظهر حقيقة أن هذه الأحزاب صارت حبيسة لبعض الأفكار الانقلابية، وأن ما تراهن عليه، ليس أكثر من إثارة الفوضى، وتعطيل مسارات الديمقراطية وعرقلة توجهات التنمية والبناء، معتقدة أنها من خلال استنساخ ومحاكاة ثنائية الفوضى والعنف ستتمكن من القفز إلى كراسي الحكم وتحقيق ما لم تستطع تحقيقه عبر صناديق الاقتراع، وهذا لن يحدث لأنه لو تم فإن معنى ذلك ذبح الديمقراطية من الوريد إلى الوريد وذلك أبعد على من يفكر فيه من عين الشمس، فالشعب هو من سيتصدى لمن يفكرون بهذه الطريقة وسوف يحمي نفسه وإرادته ويصد أي عبث يستهدف أمنه واستقراره ومصالحه.

وأياً كان الخلاف مع هذه الأحزاب، فإن الجميع ما زال حريصاً على أن تخرج من غفلتها وتستفيد من الدروس التي تلقتها من الشارع، الذي تصورت أنها ستلغي عقله ووعيه بذلك الكم الهائل من تزييف الحقائق والتحريض والتضليل الذي استخدمت فيه كل أوصاف التسفيه والقدح والفجور والإدعاءات الباطلة للنيل من النظام السياسي ومن الحزب الحاكم بل ومن كل من يخالفها الرأي. ومع ذلك فإن الشارع لم يلتفت إلى كل ذلك التهريج وقابله بازدراء واستهجان، وكان رده على هذه الأحزاب مقاطعة مهرجاناتها والتي اقتصر فيها الحضور على أعداد قليلة ممن ينتمون إلى هذه الأحزاب تحت ضغط الانتماء الأيديولوجي والسياسي المستند إلى قاعدة "نفذ ثم ناقش" التي وسّعتْ من دائرة الهوة بين هذه الأحزاب وجماهير الشعب.

ولا نبالغ إذا ما قلنا أن أكثر من 28 مهرجاناً أقامتها أحزاب اللقاء المشترك خلال الفترة الماضية تحت شعار الهبّة الشعبية، لم يزد الحضور في أفضلها عن بضع مئات في صورة عكست بالدليل القاطع أن هذه الأحزاب تعيش في وادٍ آخر غير وادي هذا الشعب.

ولو أن هذه الأحزاب استفادت من هذا الدرس وأدركت أن الشارع ليس مع الفوضى والغوغاء فإن ذلك بالنسبة لها سيكون فاتحة خير ستقودها حتماً إلى الوقوف مع نفسها وقفة صادقة بهدف تصحيح أخطائها وعدم العودة إليها.

ونعتقد أن أولى الخطوات للخروج من نفق العناد والمكابرة والتعنت والإصرار على ركوب موجة "أنا ومن بعدي الطوفان" هو العودة إلى طاولة الحوار، والعزم على المشاركة في الانتخابات النيابية وبما يفضي بهذه الأحزاب إلى الدخول في مسار جديد تتصالح به مع الجماهير ومع الوطن ومع الديمقراطية، ومع قيم الشراكة الوطنية المسؤولة والجادة، التي تعلي من شأن المصالح العليا لهذا الوطن وكل معاني التسامح والمحبة والإخاء وبناء المستقبل المشرق لنا ولأجيالنا.