الإستراتيجية الأمنية لا تقف عند حدود مراكز الشرطة وأجهزة التحري والمتابعة لأصحاب الجنح والجرائم، بل إن الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي مبني على قيمة الوعي العام بالاشتراطات الأمنية، وإن بناء شراكة مستدامة بين وزارتي التربية والتعليم والداخلية جزء من العملية، لأن الأسرة والمدرسة والجامعة والأندية بمختلف نشاطاتها وكل تجمع عسكري ومدني، هي وسائل لهذه المهمات الكبيرة..
فالعملية ليست رمزية بل فرض على كل مواطن، وقد شهدنا كيف تنخرط المجتمعات في المقاومة ضد المحتل وتواجه القضايا الكبرى بالتضحيات، ومجتمعنا يدرك أن أمنه لا يوضع مناصفة بينه وبين الأجهزة الحكومية، بل الكل في الميدان الواحد وعملية أن يعي كل مواطن دوره في التعامل مع الأزمات، سواء أكانت قضايا أخلاقية أم إرهابية، أو أي عمل مشبوه، فإننا جميعاً نقع في السلة الواحدة من حيث الأثر والتأثير..
المدرسة والطالب والمعلم والإداري وبقية الكليات والمعاهد، هي مخازن توليد الوعي، أو تصدير الجريمة، لأن من انخرطوا في محاضن الإرهاب أو السلوكيات الخاطئة، غالباً ما كانوا طلبة تسربوا من التعليم، وكرد فعل على الفشل يأتي التعويض بالوسائل الشاذة، ومن هنا يأتي التنسيق بين الداخلية ووزارة التربية وأجهزتها، كعمل منطقي لأن الفئات العمرية الصغيرة هم المستهدفون من الذين يعادون سلامتنا العامة، ولعل بناء وعي اجتماعي لا يتحقق فقط بالمواعظ، بل في بناء ثقافة تؤصل الوعي على قاعدة تلازم فئات المجتمع وتستشعر المخاطر التي تهددهم..
كل إنسان يوجد فيه عنصرا الوحش والملاك، وعندما يتغلب أي منهما، فإن الدوافع ستلبي أياً من الطرفين أو الغايتين، لكن طالما الأمن لا يتجزأ فإن إشاعة الوعي بالمصالح العامة وتحقيق المطالب الوطنية من تأمين الوظائف والصحة والتدريب والتعليم، وتوزيع المشاريع وفقاً لاحتياجات الوطن، هي السدود المانعة عن تنامي الجريمة أياً كان نوعها ومصدرها..
والجانب الثاني الذي طالما تعرضت له في أكثر من كلمة لهذه الجريدة، توفير الكتاب الثقافي بدءاً من رياض الأطفال، وحتى الدراسات العليا، ثم قراءة التحولات الاجتماعية بين الأجيال، والانفتاح عليها وتحقيق رغباتها بما تسمح به الضرورات والتي لا تتقاطع مع سلوك المجتمع وثوابته، لأن العزلة بين المجتمع الواحد وفئاته العمرية والتقيد بالوصاية على عناصر عالمية الثقافة والوعي، لا يمكن أن تُحدث التجانس الأسري والاجتماعي، ومجتمعنا الذي يتشكل من جديد على اشتراطات عصرية تلعب دور المؤثر المباشر، لا يجوز أن نحاكمها بعصور الآباء والأجداد، لأن المنافذ العلمية اتسعت بحيث لا يمكن حصر بيئة اجتماعية بعزلها عن العالم في وقت تداخلت الثقافات ومؤثراتها وهو ما يدخل في صلب الثقافة الأمنية لحصانتنا العامة..