تمثل كرة القدم في حياة الشعوب ثقلاً اجتماعياً خطراً، ومؤثراً في سلوكيات الناس ومحبي هذه اللعبة المجنونة، مما أفرد لها حيز كبير بين الأوساط الرسمية والشعبية، فليس غريباً أن نشاهد صراعاً سياسياً اقتصادياً سببه «كرة القدم» وهذا الواقع نعايشه يومياً وخاصة بين الدول الكبرى التي تتنازع من أجل استضافة كبرى بطولات العالم.

ولم تعد المنافسة محصورة داخل المستطيل الأخضر حيث تجاوزت ذلك، فأصبح الصراع دائراً بين الهيئات والاتحادات من أجل كسب ود هذه اللعبة الأكثر انتشاراً. في البطولة الإفريقية الحالية حزنّا بخروج منتخباتنا العربية (باي باي) فهي خارج الربيع الإفريقي، برغم أن الربيع العربي بدأ من تونس الخضراء بثورة الياسمين.

فقد خسر التوانسة وكسبوا فريقاً شاباً جديداً، وقد خسر الأشقاء من منتخب غانا في الدور ربع النهائي من النسخة الثامنة والعشرين لكأس الأمم الإفريقية 2012 وتلتقي غانا في دور الأربعة غداً مع زامبيا التي أقصت السودان ليخرج العرب دون  أي ممثل في نصف النهائي لأول مرة منذ 2002، ويزداد حزننا وألمنا على واقعنا العربي السياسي والكروي!!  وفي عالمنا العربي نرى العديد من المناسبات التي ساهمت فيها «اللعبة» بتنقية الأجواء بين كثير من الشعوب.

ولعبت أيضاً في إزالة الحساسية والتغلب على التوترات الناشبة بسبب نتائج الكرة، فهذه الرياضة لها خصوصيتها ولا أحد يختلف على قوتها وجاذبيتها دون كل الرياضات الأخرى!  حرصت أن أبدأ الزاوية بهذه المقدمة لأن الساحة الرياضية الآن لا تقبل أية انتكاسات وإحباطات جديدة فلسان حال جماهيرنا العربية يقول دائماً من خلال الاتصالات الهاتفية للصحف أو عبر القنوات الفضائية: كفاية ما حدث، وعلينا أن نتغلب على أخطاء الماضي ونفتح صفحة جديدة.

وبالأمس ظهرت بوادر جديدة فقد تابعت أجواء ما قبل لقاء الإخوة الأعداء في الدوري المصري، وأعجبتني مبادرة الأفارقة تجاه أشقائهم الفرق المصرية بطريقة عقلانية، بعد أن تدخل الحكماء حيث أبدى الكل استضافة الفرق المصرية بسبب الأحداث المؤسفة في مصر بعد مذبحة بورسعيد، لأنها تكون في مصلحتنا جميعاً لأن مصر لها ثقل اجتماعي وسياسي لا أحد ينكره.

وبالتالي انعكاس هذا التوافق على بقية الشعوب، فالمبادرات التي خرجت من الاتحادات الإفريقية العربية برغبتها لاستضافة الفرق المصرية المشاركة في البطولات الإفريقية وغيرها بسبب توقف الأنشطة هذه الأيام في أم الدنيا، نظراً للمجزرة التي رافقت مباراة الأهلي والمصري وما نتج من كارثة وأزمة حقيقية أثرت علينا جميعاً كرياضيين نحب الكرة، ولا نقبلها بأن تتسبب في مقتل مشجعين أبرياء في غمضة عين.   فقد تابع عشاق الكرة في القارة الإفريقية والعرب المباراة.

وأقول: إن الفائز نصفق له مهما كانت جنسيته، وأتمنى لهم النجاح والتوفيق والفوز وخاصة لحساسية وأهمية مباريات الفريقين بعد أحداث الآونة الأخيرة.. وما لفت انتباهي هو تقدير الأشقاء دعواتهم ورغبات كل أبناء الأمة من تحمل المسؤولية بعملية التهدئة الواضحة سياسياً ورسمياً فكرة القدم لعبة جميلة وليست للثأر وألا تؤثر على العلاقات بين أبناء البلد الواحد وأن نقبض على من يريد أن يلعب في الماء العكر بإشعال الأجواء لإثارة الفتنة بين الجانبين واعتبار الكرة مباراة ثأرية ورد الاعتبار وإثبات الذات وأنها وغيرها من التسميات العدائية!!  علينا أن ندعم مثل هذه التوجهات العربية ونعتبر ما حدث درساً لنا جميعاً بضرورة أن نتحكم في أعصابنا وفي النهاية كرة قدم قاتلها الله .. والله من وراء القصد.