منذ انطلاق بطولة كأس العالم، ظل الاتحاد الدولي لكرة القدم يردد شعار «إبعاد السياسة عن الرياضة»، لكن الواقع يثبت في كل نسخة أن هذا الشعار يبقى أقرب إلى الأمنيات منه إلى الحقيقة.

فالمونديال، الذي يجمع مليارات المشجعين حول المستطيل الأخضر، أصبح في الوقت نفسه ساحة تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، حتى بات العالم ينظر إليه باعتباره أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم.

لم تعد المباريات وحدها هي التي تصنع الحدث، بل إن كثيراً من المواجهات تحمل في طياتها رسائل تتجاوز حدود الرياضة. ويكفي أن نتذكر مباراة الأرجنتين وإنجلترا في مونديال 1986 التي جاءت بعد حرب جزر فوكلاند، أو لقاء الولايات المتحدة وإيران في مونديال 1998.

والذي عُدَّ مباراة سياسية بقدر ما كان مواجهة كروية. وفي النسخة الحالية أيضاً، حضرت السياسة في بعض القرارات والتدخلات التي أثارت جدلاً واسعاً، لتؤكد أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن مراكز صنع القرار.

ولا تقتصر السياسة على أرض الملعب، بل تبدأ قبل سنوات من انطلاق البطولة، عندما تتنافس الدول على استضافة الحدث العالمي. فملفات الاستضافة أصبحت معارك نفوذ وتحالفات، وتخضع لحسابات تتجاوز الجوانب الفنية والتنظيمية.

وقد شهد العالم جدلاً واسعاً حول استضافة الأرجنتين عام 1978، وروسيا 2018، وقطر 2022، وصولاً إلى سباق استضافة مونديال 2026، الذي عكس حجم الضغوط والتحالفات الدولية المصاحبة لعملية التصويت.

كما أن قرارات الإيقاف والاستبعاد والعقوبات كثيراً ما ارتبطت بظروف سياسية، بدءاً من استبعاد دول بعد الحروب العالمية، مروراً بمنع يوغسلافيا، ورفض مشاركة جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، ووصولاً إلى استبعاد روسيا من مونديال 2022، وغيرها من القرارات التي أكدت أن السياسة كثيراً ما تفرض كلمتها.

قد يختلف الناس حول مدى تأثير السياسة في الرياضة، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة لتحديد بطل العالم، بل أصبح منصة تعكس موازين القوى، وتكشف طبيعة العلاقات الدولية.

وتؤكد أن الكرة قادرة على توحيد الشعوب، لكنها لا تستطيع دائماً الهروب من ظل السياسة الثقيلة. ولهذا سيبقى المونديال حدثاً رياضياً عالمياً، لكنه في نظر العالم أيضاً مرآة تعكس ما يدور خارج الملاعب، بقدر ما تجسد ما يحدث داخلها.