هناك الكثير من الأعمال السينمائية التي لم تُصنع للتسلية والمنافسة التجارية وعائدات شباك التذاكر فقط، على الرغم من أن النجاح والعائدات حاضرة في أذهان صناع جميع الأفلام، إلا أن الإيمان بالأفكار الكبيرة وبدور السينما كرافعة ثقافية محورية لمعالجة قضايا المجتمع، يلعب دوراً مهماً في طرح أفلام ذات صبغة اجتماعية وإنسانية شديدة الحساسية والاختلاف وسط طوفان الأفلام التجارية والرامية للإثارة لا أكثر.
الفيلم الإنجليزي «وداعاً جون» (بطولة وإخراج النجمة كيت وينسلت) فيلم عائلة بامتياز، أولاً لغياب اللقطات الخارجة، وثانياً لموضوعه الأسري المهم، مع ذلك فهو ليس مجرد قصة حول أسرة بريطانية مكونة من والدين وثلاث شقيقات مختلفات في كل شيء وشقيق طيب وحساس جداً يقيم مع والديه. الحقيقة أن الفيلم يطرح إشكالاته عبر قصة موت الشخصية المحورية فيه وهي الأم (جون) لكن وفاة الأم في نهاية الفيلم ليست هي الحكاية، ولكنها الخيط الذي يربط كل أفكار الفيلم ويعرضها بمنتهى السلاسة.
يناقش الفيلم أفكاراً عميقة استطاع من خلال توظيف لغة وأدوات سينمائية كثيرة أن يقدمها ويلامس بها قلوب المشاهدين، تدور هذه الأفكار حول الأسرة والحياة والعلاقات التي تعاني شروخاً عميقة أُهملت طويلاً، وقد تم توظيف حدث انتظار وفاة الأم بالسرطان ليشكل قاعدة استرجاع معاني وقيم الأخوة والأسرة بين الأشقاء، إضافة لتلك المعاني التي يتركها الأشخاص وراءهم في الأيام الأخيرة من حياتهم وهم يرحلون أمام أبنائهم مباشرة!
لم تكن الفكرة الأساسية للفيلم مرض الأم ورحيلها، فالأم طاعنة في السن وتعيش على حافة عمرها. لكن استخدام ثيمة السرطان الذي يحدد المدة المتبقية من عمر الأم، كانت الحيلة التي استخدمها صناع الفيلم ليجعلوا من تلك الأيام المتبقية شاشة سينما، أو ذاكرة جماعية تُروى بصوت عالٍ، ما يجعل الأم والأب والأشقاء يستعرضون تفاصيل علاقاتهم ومشاعرهم وأخطائهم وتحولات تلك العلاقات والمشاعر.
العلاقات الأسرية التي يستعرضها الفيلم عبر المواقف والحوارات تكشف عن تأزمات عميقة وكأنه لا علاج لتلك الجروح، إلا أن الأم وحدها مَن استطاعت أن ترفو تلك الثقوب والتمزقات بعاطفتها ومحبتها فتعيد تذكير بناتها بما بينهن من ذكريات ومحبة حتى تصل بهن للتصالح معاً، وببساطة عجيبة، وترتيب أولويات العلاقة بينهن!