منذ شهر تقريباً، كنت قد تلقيت دعوة لحضور مناسبة ثقافية قيّمة في مدينة أغادير المغربية، ولأنني أحب المغرب بكل ثرائه الحضاري والإنساني، بأدبه وثقافته وطقسه، ولي فيه أصدقاء أعزاء، فقد رحبت بالدعوة، وسافرت بثقة كبيرة.
لكن هذه الثقة تعرقلت بعض الشيء؛ فقد فقدت حقيبتي، وبقيت يومين هكذا، أرتدي وأعيد ارتداء الملابس نفسها، حتى وصلت الحقيبة في اليوم الثالث، أي قبل عودتي بيوم واحد، ليس هذا ما أردت التوقف عنده في الحقيقة، فما خرجت به من هذه الخبرة أو التجربة هو الأهم!
درس أغادير تمثل عندي في أمرين: الأول أن الحياة يمكن أن تعاش بأقل ما يمكن من حاجيات مادية (ملابس، إكسسوارات، أطعمة، مواد ولوازم استهلاكية.. وغيرها).
وبينما تعتقد أن عليك أن تحمل معك -في سفر يستغرق خمسة أيام- حقيبتَي سفر بوزن 50 كيلوجراماً، تحتويان على جميع أنواع وألوان وموضات الملابس والأحذية والإكسسوارات، تكتشف أنه يمكنك أن تقضي ثلاثة أيام من الخمسة أيام تلك بقطعتي ملابس وحذاء واحد وزجاجة عطر مفضلة لديك، ولا بد من هاتف وشاحن بطبيعة الحال!
الدرس الثاني والأهم هو أن معظم الأشياء التي تراها تقريباً، ليست كما تبدو لك، فهناك كثير ممن نظن أنهم مثقفون وعلى جانب كبير من الأخلاق والمناقبية، فنكتشف أنهم لا يملكون شيئاً من ذلك بمجرد الاحتكاك بهم، وأن ذلك الشخص الذي لم تعول عليه يوماً، هو من وقف في ظهرك عند حدوث الشدة أو عند اللزوم، ولم يتخلَ عنك لحظة، والأهم أنه لم يذكر شيئاً مما فعل أمام كائن من كان.
وأن المدرسة البسيطة المتهالكة التي دخلتها في تلك القرية الهادئة في مدينة أغادير، ليست كما توقعت أبداً، ففيها طلاب صغار تفاجأت بإنتاجهم الأدبي وبمستوى لغتهم الأدبية، وفيها أساتذة بسطاء يتحركون بلا ضجيج، في حين أنهم أصحاب منجزات أدبية رفيعة.
الأشخاص والأشياء ليسوا دائماً كما يبدون في الظاهر أو على بعد مسافة منك، عليك أن تقترب وتقارب وتدخل التجربة لتعرف حقيقة الأمور، ولا تتورط في أحكام جاهزة.