(بيت الفن) واحد من البيوت التراثية المرممة ضمن المشروع المعماري الذي وضع البحرين على قائمة التراث العالمي، وقفت هناك طويلاً أتأمل اللوحة وحكاية صاحبها، كانت اللوحة تحمل توقيع الرسام البحريني (ناصر اليوسف) الذي أنجزها كما هو واضح في الزاوية اليسرى منها عام 2004. فما هي حكاية اللوحة وما حكاية رسامها؟
في البداية، أود القول إنني قضيت في مملكة البحرين، وتحديداً في مدينة المحرق ثلاثة أيام متجولة متنقلة بين الأزقة والبيوت، ومطلعة على الإرث البحريني العميق، وتجليات هذا الإرث، أما التجليات فكانت عدداً كبيراً من البيوت المرممة التي احتوت كل ما له علاقة بإرث البحرين وثقافتها وحضارتها: البناء، العمران، المهن والحرف التقليدية، تاريخ اللؤلؤ، التجارة، الأسر البحرينية المعروفة والمؤثرة في تاريخ البحرين الحديث، الصحافة، الفن، الكتب، المكتبات، بيوت الضيافة، الغوص، فن الكورار وصناعة الأثواب التقليدية... إلخ.
كل هذا وغيره محفوظ وموثق، ومعتنى به، فلكل مجال بيت ولكل فن متحف، وفي داخل هذه البيوت والمتاحف قصص وحكايات لا تحصى، وفي بيت الفن وقفت مأخوذة أمام لوحة تمثل رقصة السامري، رسمها صاحبها باللونين الأبيض والأسود، وقد ظهرت بوضوح أنها تنتمي للمدرسة الانطباعية، وكنت أميل لرسم متعجل وطفولي بعض الشيء، لكنها عمل يمسك بك دون أن تدري لماذا؟ ربما لأن اللوحة معلقة في واجهة غرفة يصلك من داخلها صوت الشاعر محمود درويش يقرأ جداريته الشهيرة!
تلاحظ مرافقتي اللطيفة وقوفي طويلاً أمام اللوحة، فتبدأ بسرد الحكاية:
هذه اللوحة لفنان بحريني اسمه ناصر اليوسف، الذي ولد في المحرق عام 1940 وتوفي فيها عام 2006، وهو فنان ومؤسس من روّاد الفن التشكيلي الحديث في البحرين، ومن أبرز الرسامين الذين أسهموا في تطوير المشهد الفني البحريني منذ أواسط القرن العشرين، في أوائل التسعينيات، أصيب بالسكري ويقال بالسرطان، وبدأ يتناول علاجاً معيناً أفقده البصر تدريجياً، حتى أصبح أعمى تماماً بعد حوالي سنة ونصف من مرضه. المعجز في الأمر والذي يخص هذه اللوحة أنه رغم فقدانه البصر، إلا أنه من الثابت أن الفنان كان يملك الكثير من البصيرة لينجز عملاً بحاسة اللمس فقط!